عـــــــــــــــــــــــــــــوف
أهلا وسهلا بك في منتدى عوف
نرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا.
إن لم يكن لديك حساب بعد, نتشرف بدعوتك لإنشائه .
هذا المنتدى أنشىء من أجلكم فساهموا للنهوض به للصدارة
أعط شيئا خيرا من لا شيء
ا / عزيزي الزائر : لا تنس الصلاة
قال تعالى : ( إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا )

عـــــــــــــــــــــــــــــوف

عوف هي إحدى بلديات ولاية معسكر الجزائرية
 
الرئيسيةالبوابةمكتبة الصوراليوميةس .و .جبحـثالتسجيلالأعضاءالمجموعاتدخولالجرائد اليومية الجزائريةist-mascara منتدى العلوم والتكنولجيالعبةدردشةقصص الانبياء
بسم الله الرحمن الرحيم يوجد لدينا عسل نحل قطفة الزهور وعسل الاعشاب وجميع منتجات المناحل الاخرى كما يشرفنا ان نوفر عبوات فاخره من جنين القمح وبعض الاعشاب الطبيه... بيان اسعار... …عسل نحل فرز اول من زهور البرسيم 1كج 22 ج …عسل نحل زهور الموالح 1كج 23 ج …عسل نحل اعشاب حبة البركه برتقوش.... 1كج 25 ج …عسل جبلى كشميرى 1كج 200 ج …شمع العسل غنى بالكثير من منتجات النحل 1كج 27 ج …غذاء ملكات النحل رويال جلى 1جم 4 ج …حبوب اللقاح المليئه بالبروتين النباتى 1جم 50 قرش ...صمغ النحل المضاد الحيوى واسع المجا 1جم 90 قرش ...طلع النخل حبوب لقاح النخل 1جم 80 قرش ...عبوه فاخره من جنين القمح 4/1 كج 13 ج

شاطر | 
 

 معسكر رجال وتاريخ

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin
avatar

عدد الرسائل : 303
تاريخ التسجيل : 28/05/2007

مُساهمةموضوع: معسكر رجال وتاريخ   13/4/2010, 16:59

معسكر رجال و تاريخ

للا ستاذ جلول جيلالى

الفهرس
للا ستاذ جلول جيلالىDcoupage1-0011

كلمة الباحث.................................. 03

المرحوم سيدي يخلف..................... 11

سيدي محمد................................ 16

سيدي أحمد أغربي....................... 20

سيدي أمحمد............................... 23

سيدي بن يخلف............................ 27

الشيخ بن حواء............................... 32

الشيخ محمد بن حواء بن يخلف........ 43

الشيخ عبد القادر بن جلول............... 48

الشاعر المعسكري عبد القادر بن حواء................ 58

سيدي علي بن عثمان..................................... 64

سيدي عبد الرحمان......................................... 69

الشيخ العلامة مصطفى بن عبد الله الدحاوي....... 73

أبو يعقوب........................................... 87

أبو زكرياء المدعو سيدي بوسكرين................ 88

سيدي مَحمد بن يحيى.............................. 92

أبناؤه الثلاثة............................................... 98

سيدي محمد الأعرج................................... 99

سيدي البشير............................................ 103

سيدي أحمد بن يوسف............................... 116

سيدي أحمد المختار.................................... 120

سيدي قادة بن أحمد المختار.......................... 120

الشيخ الطيب بن المختار................................ 126

الشيخ سيدي محي الدين............................. 132

قاضي القضاة البشير مصطفى بن حسن بن علي........ 135

أبو طالب أحمد بن محمد الغريسي............................. 141

الشيخ سيدي أحمد بن علي..................................... 148

سيدي سحنون........................................................ 151

سيدي الهاشمي..................................................... 154

العالم الجليل سيدي أحمد بومعزة.............................. 155

المرحوم أحمد بن سحنون......................................... 156

خليفة الأمير عبد القادر بن مصطفى التهامي............... 162

الشيخ عبد القادر بن مصطفى الفرحاوي..................... 166

الخاتمة................................................................. 170

قائمة المراجع........................................................ 171

كلمة الباحث
إنني لا أقدم نفسي بقدر ما أقدم بحثي ليقوم أستاذي بتحقيقه كنتاج لعوامل حضارية مختلفة، فما أنا إلا واحد من مائة مليون عربي لا قيمة كبرى لوجودي كانسان يصارع عقليتين متناقضتين عقلية القرون الوسطى التعميمية التجريدية و عقلية القرن الواحد و العشرين العلمية التكنولوجية

إنما بحثي وتنقيبي هو كما قلت نتاج تفاعل حضاري في منطقة معينة من المناطق العربية التي تعرضت لريح العصر التي تحمل حينا بذور الحياة و تارة تخلف بذور الموت.

لا أطيل هذا البحث إذا كان القارئ، عرف الكثير عن الجزائر في العهد الأسباني و العثماني، فهل يعرف شيء عن جزائر الاستعمار الفرنسي.

وأنني أختم كلمتي هذه المضطربة لأنها مرتجلة بالقول وأنني كواحد من الباحثين أفتخر بهذا وأعتز به، لأنه سيقوم بتصحيحه و تحقيقه أستاذي السيد فوغالي أطال الله في عمره حتى يحقق لنا إنجازات أخرى إن شاء الله.

الأستاذ : جلول الجيلالي

الباحث في التراث الثقافي

.

مــقــدمـــة

الحمد لله الذي علمنا ما لم نعلم، و فضلنا على الكثير من خلقه وعظم و كرم و هدانا لدي نه، وما كنالنهتدي لولا أن هدانا الله ومن علينا بما شرع من دين الإسلام الحنيف و ارتضاه و جعلنا من أمة محمد ? B ?، أحمده حمدا و أصلي و أسلم علي الرسول عدد المرات، الصادق الأمين الذي أرسله رحمة للعالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده و رسوله وأن ما جاء به من عند الله هو الحق و الصدق صلى الله عليه وعلى آله و أصحابه صلاة نرجو بها ثواب رب العرش العظيم، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم و لقد كرمنا بني آدم و حملناهم في البر و البحر و رزقناهم من الطيبات و فضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا، و جعل فيهم قادة يدعون بأمره إلى دار السلام، فجعلهم الأمائل الكرام والأعلام العظام فطهرهم من أنواع القذر و أضرار الآثام وسيرهم بفضلهم من أولى الشهر و الألباب. ووقفهم على لزوم طاعته و الدوام على مراقبته على تكرار السنين و الأيام واختار من جميعهم حبيبه و خليله عبده و رسوله محمد

وقد أودعت من نفائس الكتب ما يتنافس فيه المتنافسون وانفردت من نوادر المصنفات بما لم يشاركهم فيه غيرها من العلماء المؤلفين فيقال فيه شركاء متشاكسون ومع المساهمة في التقييد والاشتمال في محبة العلم و أهله علي ما يقتضى بمتين دينه و وثاقة نسبه.

أحب كل مؤلف أن يخدم العلم ليبقي هذا التأليف طالعه في الأفق كالنجوم السماوية ليكون بالاختصاص بوضعه و يدخر بالخزانات السعيدة ليصير كلمة باقية في عقبه

فشرعت في ذلك بعد أن استخرت الله ولا خيبة لمستخير واستشرت فيه أهل المشورة و لا ندم لمستشير، و أصل كل قبيل من القبائل بقبيلته، و ملحقا كل من الفروع الحادثة بأصوله مرتبا على حروفه المعجم ليكون أسهل لاستخراج قبيلة و اقرب إليه في الاقتطاف من تناوله. ثم أن هذا التأليف وان كان من أربعة تآليف قد جمع فأوعى طمع في الاستكثار فلم يكن بالقليل نوعا و لم يتضمن القبائل الغريسية بأجملها و صعوبة حصرها، فان ذلك يتعذر جمعها. فلا يشك فينا أحد و يعز على المتطلب الوصول إليها.( 1 )

فيقول أفقر الورى إلى رحمة مولاه، العبد الذليل الحقير الراجي عفو ربه و رضاه محمد بن محمد بن عبد الله بن أبي جلال الراشدي دارا، الجيلالي نسبا، المالكي مذهبا و سميته مجموعة تفاصيل الأنساب وما يتعلق بأحوال الراغبين ذكرهم في سجل الكواكب العلامة الأوحد الجهبذ الكامل أبي مهدي الشيخ سيدي عسى بن موسى التجني ضمنها من كان على عهده أو قريبا منه من العلماء العاملين و الأولياء الكاملين و الأئمة الراسخين من أهل الوطن الراشدي نفعنا الله بهم وأمتنا على حبهم.

و ما تضمنته هذه المجموعة من ذكر السادات الشرفاء ينابيع المعارف و مصابيح الظلمات إذ بذكرهم تتنزل الرحمات فأجبته حفظه الله امتثالا لأمرهم رحمهم الله و الله المسؤول أن يفتح لنا أبواب فضله و يسقينا من ينابيع فيضه. و أقول قبل الشروع أن العلامة الإمام الدراكة الشيخ سيدي عيسى بن موسى التجيني دفين وادي التاغية كان لبني توجين على عهد دولة بني مرين، و دولة بني زيان و كانت عاصمتهم تيهرت و لأميرهم محمد بن عبد القوي بن عطية التجيني يد في إعانة السلطان أبى سالم المريني على حرب بني زيان أمراء تلمسان كما هو معروف في كتب التاريخ وقد بسطنا الكلام على ذلك في كتابنا اللسان المعرب عن تهافت المعمرين حول المغرب ففيه ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وقد تفقه الناظم رحمه الله على الإمام محمد ابن أحمد بن غازي عالم فاس و شيخ جماعتها و قرأ على تلميذه سيدي عبد الله بن عبد الرزاق الغريسى الشريف الحسني وغيرهما من علماء وقته و أخذ عنه العلم جم غفير من علماء الراشدية، نفعهم الله بعلمه توفي رحمه الله بغريس سنة اثنين وستين و تسعمائة قال رحمه الله فيما قصده من ذكر الأولياء من أهل وطنه الراشدي فقال :

وفي راشد جمع و هم بنو رشدا و وحل من الأنجـاد كل بغارب

راشدا : جبل عظيم ببلاد الجزائر مما يلي الصحراء و في ضمنه جبال تعرف بأسماء لها كجبل وانشريس وجبل العمور ومن مدينة مليانة وتيهرت والقلعة و مستغانم و مازونة و جبل الراقوبة بمعسكر و غيرها، ومن سهولها يسر و قاعدته مدينة معسكر و تدعى بالراشدية وهي التي عناها الشيخ مصطفى الرماصي محشي التتائي في بعض أجوبته بقوله ( و أراك أيها السائل تحتفل بكلام عبد الباقي )( 1 ) وذلك بمعزل عن التحقيق لأن شرحه وشرح الخرشي لا نكترث بهما في بلاد الراشدية لعدم تحقيقهما و عمدتهما كلام الأجهوري و هو كثير الخطأ. وجبل راشد مقر شعوب زناته و البربر قبل الإسلام و بعده منهم بنوا توجين و بنوا راشد و بنوا كحيل جهة الصحراء و مغراوة جهة الغرب و مهاجة جهة الشمال على الساحل البحر المتوسط و الناظم رحمه الله ذكرهم في منظومته من الرجال المستوطنين ببسيط غريس ( و سمي غريسا لأنه كان مغروسا بأنواع الشجر ذوات الأثمار )( 2 ) و كان سكانه من بنى زروال و من سكانهم من بني توجين و مغراوة قاطنين في قرى تزيد على المائة ولما كان الفتح الإسلامي ودخل المسلمون أفريقية عمدت الكاهنة لإحراق الأشجار و هدم الديار ليقف تيار العرب عن التوغل في البلاد لما بها من الخراب و الفساد و وطئ العرب صياصيها و قبضوا علي نواصيها كما هو مبسوط في التاريخ و أصبح غريس وليس به من العمارة اسم و لم يبق بيد أهله إلا الاسم وعلى عهد الموحدين نزل بغريس قبيل الحشم من قبائل سلم و زغبة و بينهم أفراد من قريش لا زال عقبهم يعرفون لهذا العهد بالأجواد وعلى عهد بنى زيان أمراء تلمسان اتخذ يغمراسن منهم قبيل الحشم جيشا له وسماهم الحشم وجعلهم حصنا حصينا بينه و بين أعدائه بنى توجين أمراء تيارت، واختار لهم مدينة معسكر حيث اتخذوها قاعدة عسكرية لهم و لذالك سموها بمعسكر، انزل معهم كثيرا من القبائل بني عبد الواد كبني ورسنو بني غاسول وغيرهم و صارت لهم الرئاسة على زناته أهل الوطن الأصليين ولما انحل نظام دولة بني زيان في أوائل القرن العاشر اشتد ظلم الحشم على أهل الوطن من زناته و أجلوهم عن غريس فتفرقوا في نواحي الأقطار ومن بقي منهم اندمج تحت الحشم. وصارت الأرض ملكا للحشم إلى أن صارت لما هي عليه الآن ولهذا الوطن بيوتا من الأشراف الفاطميين سكنوه في أوقات مختلفة فأول مرتبة منهم بني سليمان ابن عبد الله بن الحسن المثني بن الحسن السبط بن علي كرم الله وجهه وفاطمة بنت رسول الله ? B ? وهم أحد عشر فرعا معروفة في كتب أنسابهم منهم فرع تلمسان، وآخر ببجاية وآخر بجبل أزواوه، و آخر بجبل العفيون، وآخر بجبل زيدوك وآخر بواد يسر و آخر ببلاد مغراوه و آخر بمليانة وآخر ببني اسنوس، و آخر ببني يزناسن، وقليعة منهم سيدي و أرياش دفين مليليا، و آخر بصحراء جبل العمور، و لكل من هؤلاء عمود متصل بسليمان بن عبد الله الكامل يطلب من محله و لم يبق معروفا من هذه الفروع لهذا العهد إلا القليل.

وأما الأدارسة الحسينيون فسبب نزولهم المغرب الأوسط إنهم استقروا به عند سقوط دولتهم علي يد بنى العافية أولا ونجا منهم من نجا و انتشروا بين قبائل زناته و البربر و هنا كفرع أخر من الأشراف الحسينيين كان مجيئهم من صقلية عند استيلاء النمارديين عليها و انجلي منهم عنها من اختار الهجرة إلى سبته و الأندلس و افريقية ممن اختار الإقامة بجبل راشد، أسلاف سيدي راشد بن فرقان.

المرحوم سيدي يخلف
وفي تأليف للشيخ أبو الحسن علي بالبوري والذي سماه على بركة الله " الجوهرة الكبرى "، هذا التأليف يتضمن أشراف وأعيان منطقة غريس فمن بينهم سيدي يخلف.

مولده : ولد سيدي يخلف بن على بن يحي بمنطقة فليته بالراشدية سنة 729 هـ.

نسبه : سيدي يخلف بن على بن يحي بن راشد بن فرقان بن حساين بن سليمان بن أبي بكر بن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمان بن إدريس بن سليمان بن موسى بن عبد الله بن أبي جعفر الصادق بن زين العابدين بن الحسين بن علي كرم الله وجهه و رضي عنه و ابن فاطمة بنت رسول الله

دراسته : لقد تعلم مبادئ العلم في صغره فحفظ القران الكريم حفظا دقيقا في مسقط رأسه، لقد كان عالما في القران الكريم و ذلك علي الشيخ ابن يعقوب الصنهاجي المعروف في ذلك العهد، و أظهر نجابته، لقد كان ماهرا برواية القرآن و فنون علومه، من بيان وأحكام و ناسخ و منسوخ مع التفوق في الفقه والحديث والتفسير وقد كانت تعجبه هذه الآية الكريمة ? فيما تشتهيه الأنفس و تلذ الأعين ?

سفره إلى المغرب : فقبل سفره إلى المغرب، دعا له مشايخه بالفلاح بعد ما انتفع من علمهم انتفاعا عظيما فأخلاقه المرضية هي التي أهلته، إنه في الحقيقة نسيج وقته و فريد عصره لقد أحيا السنة و أمات البدعة و أظهر من العلم ما يبهر العقول لقد أحبه مشايخه الذي كان يلازمهم قبل سفره. فقرأ في مدينة فاس الفنون المتداولة في ذلك العهد وتعمق فيها كالإسلاميات و الأدبيات وذلك على يد المشايخ التالية أسماؤهم : أبو العباس أحمد بن القاسم والذي له باع طويل في الفقه وغيره من العلوم، أبو عبد الله محمد بن أحمد أخذ عنه التفسير وشرح القواعد. كما مر على الكشاف من أوله إلى آخره قراءة و فهما وحفظا، و بعدها مطالعة فردية، و لازم الأمام العالم الفريد من نوعه الشيخ السبطي حيث حضر الأحكام الصغرى على يد الشيخ عبد الحق و التهذيب و الموطأ و الصحيحين و المدونة الكبرى للإمام مالك. كما تفقه على علماء فاس ففاز في الأصول و الكلام و التضلع من معارفهم و استبحر و تفجرت ينابيع العلوم من مداركه، كما أخذ عن الشيخ " نخبة من جماعة الأشراف" السيد محمد العفيف، وعبد الله بن محمد المكناسي، و العالم الولي أبي بكر، لقد بلغ الغاية القصوى.

عودته إلى بلده : لقد عاد إلى وطنه و صار شيخا كبيرا و مفتيا بجبل الراقوبة لقد كان أية باهرة في جميع العلوم و جميع أحواله كلها مرضية. لقد عاد إلى وطنه الشهير كبير الصدر، شريف النسب عظيم القدر، فقيه و جليل وعاقل وعدل مبرزا.

إنه أحد رجال الكمال علما و ذاتا و خلقا، عالم بعلوم جمة من المنقول إلى المعقول، لقد بلغ رتبة الاجتهاد، بل هو أحد العلماء الراسخين، وأحد أئمة المجتهدين، فلما رجع إلى وطنه انتصب إلى التدريس فبث العلم فملأ المنطقة معارف و هو الأمر الذي جعله نبراسا وهاجا يعشوا إلى أنواره كل قاصد من أهله و ذويه من قبائل بني راشد و كذلك من أقاصي المدن و الأرياف لقد انتفع به الطلبة قراءة و نسخا و تأليفا و كان أكثر اعتنائه بالإقراء، فتخرج به من صدور العلماء و أعيان الفضلاء و نجباء من لا يحصى، و كان مهابا محبا جعل الله محبته في القلوب من رآه أحبه و إن لم يعرفه لقد بجله الملوك و يقدمونه في مجالسهم يلاطفهم تارة و يفصح بالحق و ينصر المظلوم ويقضى الحوائج، ولقد كان مجلسه مجلس نزاهة و دراية و تحقيق، إذا تكلم في مسألة أوضحها نهاره كله بين إقراء و مطالعة و تلاوة وكان يقسم الوقت على الطلبة ينام ثلث الليل و ينظر ثلثه و يصلى ثلثه، يقرأ كل ليلة عشرة أحزاب في صلاته و يقرئ في التفسير نحو ربع حزب كل يوم مع البحث و إذا طال بحث الطلبة أمرهم بالتقييد في المسألة ثم يفصل بينهم وممن أخذ عنه العلم ولده محمد المتنقل إلى ولهاصة، و أمحمد و سيدي بالقاسم دفين غليزان وسيدي إبراهيم دفين ترارة و سيدي عبد الرحمان المغراوي و سيدي عيسى و أبو يعلي، وعدد كثير.

قول عنه سيدي الأزرق دفين غيلزان : لقد عاد أخي سيدي يخلف إلي وطنه وكانت أوصافه قوى الأيمان، بعيد النفس عن الطمع ا يشغله أمر الرزق، ارتاض نفسه للطلب حتى تسهل عليه فنال خيرات الدنيا والآخرة وكان علماء فاس أعرف الناس بقدره و أكثرهم تعظيما له، وكان بعض العلماء إذا ألفوا تأليفا بعثوه إليه وعرضوا عليه وطلبوا منه أن يقيد على ظهر كل صفحة الأخطاء كما كان لبعض علماء فاس، وكلما أشكل عليه شيء كتبوه ليظهر لهم ما أشكل فأقراهم بالفضل. وأما زهده ومروءته ودينه فمعلوم، لقد كان غني النفس بربه، ساكن الجأش، كثير النفقة لا يهتم في أمرها حتى ذكر ابنه محمد لعمه سيدي الأزرق أنه بقي في بعض الأزمنة مدة من الزمن مشتغلا بالعبادة و العلم لم ير فيها أولاده، وذكر عنه أنه لم يأخذ مبلغا في معهده، وإنما كان ينفق من ماله على الطلبة المسافرين وعلى عائلته المتكونة من بنين وبنات لقد لقي الشيخ جلة الأكابر وبقي حمده مغترفا من بطون حواشي الكتب والسنة وأقوال العلماء، كان رضي الله عنه من رجال الدنيا والآخرة، أوقاته كلها معمورة ليلا ونهارا من صلاة وذكر وتلاوة وتأليف.

آثارها الفكرية : إنه فقيه صالح خطيب، وله فتاوى منسوخة إنه الفقيه الأصولي المحدث المفسر، انه عمدة أهل زمانه وله مؤلفات كثيرة غالبها في التفسير، و في أحكام أصول الفقه وسماها الأحكام اليخلوفية وله فصل في التصوف، و في القضاء وله في الأخلاقيات وقد أخذ عنه جماعة من المشايخ كأبي الحسن وأبي القاسم .

وفاته : توفي يوم الخميس عصر رابع عشر من شهر شعبان عام عشرين وثمانمائة، ودفن بجبل الراقوبة ووضعت له قبة لتبقى معلما تاريخيا وخلف ابنين :

سيدي محمد

مولده : ولد سيدي محمد الابن الأول لسيدي يخلف يوم العاشر من شهر جمادى الآخرة سنة 756 هجرية بجبل الراقوبة بمنطقة الراشدية و سمي بالفاضل العلامة الذي جعل للمحاسن علامة.

التعريف بحياته العلمية : إنه الأمام العامل الورع الزاهد المتفنن في كل العلوم الكثير الأحاطة والتحقيق، ولد بالراقوبة وبمنطقة الراشدية و بها نشأ و حفظ متونا في العربية والفقه و المنطق و غيرها وعرض ما حفظه على شيوخ بلده إنه مفتى الأمة علامة المحققين و صدر الأفاضل المبرزين إنه وحيد دهره و فريد عصره، إنه الشيخ البركة الفقيه الأمام المعمر ملحق الأصاغر بالأكابر، مرتقي دورة الاجتهاد بالدليل و البرهان، كان ذا أبهة و بهاء، وجودة مملوءة بعلم انفرد به أي انفراد بعلم المعقول والمنقول واتخذ في علم اللسان والبيان وهو ما عداه من الفنون يفوق الصدور، و يقبض على مزاحمة البحور، كانت له اليد الطولي في جميع العلوم، ومهما أخذ في تدريس فن حسبته لا يعرف سواه و أنه أفنى عمره فيه و ما ذلك إلا لتضلعه و إطلاعه يأتيه الأشياخ فيما يستشكل دونه من الغوا مض فيزيل ما خالج قلوبهم من العوارض و بعد ما نشأ رحمه الله في وطنه، ضاقت نفسه للرحلة في طلب العلم بعد أن حصل ما عند أهل و طنه فدخل على ولهاصة فأخذ بها عن أشياخها وصادف أيام دخوله منطقة ولهاصة الشيخ العلامة حافظ وقته سيدي علي بن مسعود فاتصل به و لازمه.

وكان سيدي محمد ابن يخلف الراشدي لما دخل ولهاصة تصدى لنشر العلم فهرع الناس إليه و حصلت له وجاهة عظيمة عن أهل المنطقة، لقد درس العلم و حصل له إقبال عند أهلها لجودة فهمه و حسن تقريره و هناك تجددت له الرغبة في علم الحديث و كان فيه قبل ذلك من الزاهدين. و يقول بعض مشايخ أهل المنطقة ما وصل إلينا من الراشدية إنه أذكى و أحفظ و كان إذا دخل على جماعة يقولون له : " يا سيدي محمد إنك شيق المستمعين علما و عملا " وهكذا هي عادته ما دخل على أحد المشايخ إلا استفاد وأفاد، إنهم كانوا يستفيدون منه أكثر مما يفيدونه، و بالجملة فهو نادر الوقت و مسند الزمان و فوائده رحمه الله كثيرة، لقد عكف على تعليم العلوم فأفاد الأفراد وأمتع جهابذة النقاد وأسمع كل الأسماع ما أشتهى و أراد.

ومن طلبته : لقد أخذ عنه جماعة من الطلبة من إبراهيم ابن القاسم العقباني وحصل عنه و برع و ألف و أفتى و السيد أحمد ابن الأستاذ الندرومي، و أحمد ابن الحسن العماري، الولي الكبير ذو الكرامات الطاهرة و الآيات الباهرة درس عليه زمنا طويلا فلازمه للتهجد في مسجده، و أخذ عنه أبو الربيع سليمان بن الحسين، وهذا الأخير كان قائما على دراسة المدونة الكبرى وابن الحاجب و يقول هذا الأخير : " حضرت مجلس سيدي محمد ابن يخلف الراشدي درسا في المدونة الكبرى الخ... ".

ما خلفه : لقد أنجب سيدي محمد المتنقل إلى ولهاصة أربعة أولاد : سيدي الأحسن الذي يوجد ضريحه بمديونة و لم يعقب، سيدي قادة الذي يوجد ضريحه بجوار أبيه و له عقب صالح، سيدي الحاج الذي يوجد ضريحه بجوار أبيه وسيدي أحمد الابن الأخير الذي انتقل إلى زواوة و بالضبط إلى عزازقة و يدعى هناك سيدي أحمد أغربي و مزاره هناك تلوح عليه الجلالة والبهاء.

رفاق سيدي محمد بندرومة و تلمسان : لقد ورد في التقيد التالي ما يلي : " تقييد الشهود المرضيين الذي رضوا بهم أهل تلمسان في شهادة الشرفاء، و الحائزين على وثائق ثبوتيه من مدينة فاس و ذلك من القرن الخامس الهجري إلى القرن السابع الهجري الإمام أبو مدين، سيدي أحمد زروق، سيدي إبراهيم المصمودي السلطان مولاي أحمد بن كربوش "، هذه قائمة إسمية لشهادة الشرفاء.

شهود ندرومة : سيدي عيسى بن عبد الرحمان، سيدي محمد بن عبد الله، سيدي علي بن عبد الله، سيدي يوسف بن عمر، سيدي الزوبير بن يخلف الراشدي، سيدي محمد بن عبد الرحمان، وسيدي عمران بن محمد. هؤلاء عدول زمانهم يحملون معهم وثائق ثبوتية لشرفهم و حسبهم و نسبهم الطاهر و لا يخرج منهم إلا فاسق أو كافر، ونعوذ بالله من الشك والشرك و أيضا بتلمسان، سيدي يحي بن أعمر، سيدي محمد بن خالد أتواتي سيدي يحي بن عيسى بن عبد الوهاب العجراني، هذه القائمة الثلاثية كتبها سيدي أحمد بن الناصر في القرن الثامن الهجري.

يقول سيدي محمد ابن يخلف دفين ولهاصة : " انتهى هؤلاء الشهود الونشريسيون و القضاة الكائنون من هؤلاء السادات و سيدي يحي بن عبد الواد، هذا الذي رأيت رسم الشجرة المنسوبة على ظاهر مولاي إدريس بفاس للشرفاء و شهودها و كاتبها و السلام و يعم الوقف على من كتبه و صلى الله على سيدنا محمد و آله و صحبه و سلم تسليما " وقد اتفقوا على صحته العلماء الفقهاء الراغبون الوارعون هذا منقول من ثقات إلى ثقات إلى رسول الله ليلة الخميس من شهر صفر عام 851 هجرية نسأل الله التوفيق و يهدينا و إياكم إلى الطريق بجاه أهل التحقيق آمين و الحمد لله رب العالمين.

وفاته : و كانت وفاته يوم الأربعاء لست بقين من رجب سنة 857 هجرية ودفن بولهاصة.

سيدي أحمد أغربي

مولده : ولد سيدي أحمد أغربي بولهاصة و بالضبط بلدية بني صاف سنة 886 هجرية.

نسبه : سيدي أحمد أغربي بن سيدي محمد ابن يخلف بن علي بن يحي بن راشد بن فرقان.

دراسته : اشتغل والده بالعلم و الكتابة مع الصناعة الأندلسية التي رجحت بقدوم الجالية لهذه الديار، وما انقضى على هذه العائلة حتى ولد مترجمنا وهو الإبن الرابع لسيدي محمد ابن يخلف ( دفين ولهاصة ) وما شب سيدي أحمد أغربي حتى تعلم كأمثاله من أبناء البيوتات الشريفة مبادئ القراءة و الكتابة و ظهر نبوغه في الحفظ و بإتقان و حفظ القرآن العظيم و اشتهر بالبداهة و سرعة الحفظ مع عفة النفس ورقة الشعور و كان لوسطه العائلي أثر كبير في نفسه وفي تكوين شخصيته، فسيدي أحمد أغربي انتقل إلى عزازقة حتى تمت للبيت النبوي الشريف ( فالنزوح بدأ من الراشدية ووصل إلى ولهاصة و استقر ببلدية عزازقة ) و التي لا يبعد أن ينصرف ناشرها عن التصوف و سلوك طريق القوم و لو أداه ذلك إلى الانقطاع عن درس العربية الذي سعى له والده سيدي محمد، فلقد أجلسه حال صباه لقراءة النحو على بعض أهل العلم فلم يصل به الحال حتى أنقطع عن تلقي الدرس عن الشيخ و اكتفى بالتأمل و التفكير في الخالق قبل الخلق فكانت له سياحة و أوصله المطاف إلى هذه البلدة التي مات فيها والتقى فيها بالصوفيين فأخذ عنهم و كان من مريديهم كما أخذ عنهم آداب السلوك و أسرار الطريق و احتفى به مشايخ منطقة عزازقة و أجازوه، و لبث هناك بضع سنين حتى ظهرت فيها بواكير نبوغه و بشائر ذكائه و فهمه و تبدت آيات فريضه و ظهرت شاعر يته المخبوءة في نفسه ثم حن إلى وطنه وتاقت نفسه إلى ولهاصة مسقط رأسه و اشتاق إلى أهله وعشيرته.

وفي الفترة التي نزل بها انتصب للقراءة و الأقراء قرب زاوية سيدي منصور وكان من بين المشايخ العديدة التي عاشرهم أقتطف البعض منهم وهم على التوالي : مفتى المالكية أبو عبد الله المسدالي موسى العبدوسي الولهاصي الأصل، سليمان الحسناوي البعائي، محمد بن أحمد التلمساني. فملأ وطاب له من المعقول و المنقول و بلغت شهرته فانحاشت إليها الطلبة من كل حدب و صوب. ولقد أقام أحسن قيام بالتدريس فأفاد إفادة عظيمة وتخرجت عليه طبقة من العلماء و الأدباء الفحول، لقد جاور سيدي أحمد أغربي صلحاء لم يتعرض لهم أحد من قبل، فوادي أقبو و الجبل المنفرد الذي هو مملوء بالأولياء المشهورين و التي تغنى عن ذكرهم و تعظيمهم، فيقوم مقام بيانهم و تبيانهم و جميل آثارهم وذلك ليتم المقصود الروحاني و النور الرباني. فمثلا جاور الوالي الصالح الشريف الحسيني سيدي أحمد بن يحي نفعنا الله ببركاته و جعلنا من أهل وده و نسبه و الذي يتصل نسبه بنسب أهل فليته وأهل غريس، و كذا فرقة أخرى من الشرفاء الصالحين الذين استوطنوا بجبل وهذا الجبل يقرب من بلده بجاية وأنهم من قبيلة مزايا. و كانوا في آخر القرن التاسع الهجري وهكذا عاش سيدي أحمد أغربي في هذا البلد العالي متقلبا في أكفانه النعمة والهناء ما ينقصه وما يدركه وما وجده في هذا المنطقة من يسر الحال و الإسعاف ترف الآمل الجميلة آمنا من نائبات الدهر و يذكر الليالي و الأيام الهنيئة التي قضاها في هذه المنطقة و يثنى عليها و يحمدها لولا مرارة الغربة ووحشها والدعوة لذكر مسقط رأسه في كل وقت و في كل حين فولهاصة و غريس ينظر إليهما نظرة زفرات و حسر مع العلم أن نهاية مطافه كانت و بقيت ببلدة عزازقة إلى أن وافاه القدر المحتوم مخلفا بنين و بنات بحيث لازال أحفاده إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

وفاته : لقد وافاه الأجل المحتوم صباح الأربعاء ثالث رجب سنة 969 هجرية فكانت وفاته مصابا عظيما فقدت فيه منطقة عزازقة نجما ساطعا و كوكبا لامعا و قد كان هذا الرزء شديدا على أصدقائه وعارفي فضله و مقدري نبوغه و علمه و على طلبته ومريديه، وقد انطوت صفحة من أنصع الصفحات من تاريخ سيدي أحمد أغربي رحمه الله و نفعنا ببركاته آمين، وقد خلف وراءه نجلا طاهرا شريفا مكرما لازال محافظا على عاداته و تقاليده و ذلك بفضل أحفاده الموجودين إلى يومنا هذا

.

سيدى امحمد

فقد استقر في بلد أبيه فهو الذي كانت منه أولاد سيدي يخلف الغريسين. وكان سيدي أمحمد فصيح اللسان، كثير الإصابة و البيان، وممن يقلد في الفنون الآداب وعلوم الأديان و يستجيب الذين آمنوا و عملوا الصالحات و يزيدهم من فضله ، و قد أسرع هذا الابن الذكي التنقل عن سلوك طريقة المتفحصين إلى الناظر في علوم الدين و بقى أصحابه جاعلين شعارهم الأشعار.

دعني بفقهك يـا ابن يخلف أنني رجل غدا بفوائدي الأشعـار

أن التفقـه و التنسك و التقـى أنساك ذكر الخرد الأبكـار

وقد أنجب ابنا واحدا و ثلاث بنات : أحمد الزحاف أم كتثوم، رقية و زينب. رحم الله سيدي أحمد الزحاف، إنه من أصحاب الإيثار والسخاء، المقصود في الشدة و الرخاء سلك في النسك والزهد، أنهج المسالك، و تحرى جهده فيما يبعد عن المهالك. سيدي أحمد الزحاف هذا ممن سكن بجبل والديه و ليس الجبل قديما له بدار لكنه نشأ فيه واستقر خير استقرار، ووسعه ما وسعه في الأيسار و لمصيره غلب اسمه ما غلب على لسانه الفصيح، فكان اسمه الزحاف مشهورا بين أهل وقته، انه المقدم في علم البرهان و الاستدلال، الرادع لقيام أهل البدع و الضلال إنه من الشيوخ المجتهدين في أفعال البر المخلصين في العلانية والسر المعمر في الطاعة الذي لم يخل من العبادة يوما ولا ساعة.

من تراثه الفكري : وقد ختم تأليفه بهذه الفقرة التالية : " بحمد الله كمل الجزء الأول من جواهر الدرر، في حل ألفاظ المختصر وصلى الله على سيدنا محمد صلاة وسلاما ما اتصلت عين بنظر وتزخرفت الأرض بمطر، وحج حاج ووقف و اعتمر. وحلق و نحر وطاف بالبيت و رضي الله تعالى عن آله وصحابة أولياء الأتباع والأثر و أزواجه و ذريته ما غار كوكب في الأفق و ظهر على يده عبيد الله و أحقر عبيده و أحوجه إلى توفيقه أحمد الزحاف الغريسى غفر الله له ذنوبه و ستر في الدارين عيوبه و كان الفراغ من نسخه في اليوم العاشر من شهر الله المعظم المحرم من عام 929 هجرية " عرفنا الله غيره و وقانا شره آمين. و خلف سيدي أحمد الزحاف ابنا و هو سيدي سعيد. إنه شيخ الصيانة و النزاهة و ركن الديانة و الفقاهة المحافظ على طريق الصديقين و المطروح في حرمة الخالق حرمة المخلوقين الآتي بيت الصلاح من بابه، له الكعب العالي في أهل زمانه، و المتقدم في فضله ومكانة. إنه يعد من ذوى المآثر الأثيرة، ومن كان يدعو إلى الله على بصيرة، حمل فقها جزيلا وكان باعه في العقائد طويلا و أحد الزهاد الزاهدين، لقد تعلم العلوم و علمها و رتب القواعد اللغوية وأحكامها، وجمع ذلك في سلك واحد، بين غرائب اللغة والفقه. و يعتبر سيدي سعيد سيد النسك و التبتل و المكرم بالدعاء المستجاب المتقبل رفض شهوات النفس، فبان بآسني المنازل، و استوجب الرقي في درجات الأفاضل أزدرى أهل زمانه. رحم الله هذا الشريف الطاهر ابن البتول.

مقتطف من مخطوطه على ألفية ابن مالك : وقد أستهل في بداية تأليفه على ألفية ابن مالك : " الكلام هو المصطلح عليه عند النحاة عبارة عن اللفظ المفيد، يحسن السكوت عليها، فاللفظ جنس يشتمل الكلام، والكلمة والكلم، و يشتمل المهمل كديز و المستعمل كعمر والمفيد أخرج المهمل و فائدة يحسن السكوت عليها. أخرج الكلمة و الكلم إلا من اسمين نحو زيد قائم أو من فعل و اسم كقلم زيد و كقول استقم، فانه كلام مركب من فعل أمر مستتر و التقدير استقم أنت "، وقد ختم تأليفه سيدي سعيد بن أحمد الزحاف بما يلي : " وهذا ما يسر الله الكريم ذكره على هذه المقدمة المباركة، انتهى بحمد الله و حسن عونه و توفيقه الجميل و صلى الله على سيدنا محمد وآله و صحبه و سلم تسليما و هو حسبنا الله و نعم الوكيل ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، على يد كاتبه لنفسه و لمن شاء الله بعده، عبد ربه تعالى و أقل عبيده كثير الذنوب قبيح العيوب، سعيد بن أحمد الزحاف الغريسي دارا ومنشأ الراجي عفو مولاه و اعتصامه في الدارين و كان الفراغ منه يوم الاثنين وقت الظهر في شهر ذي القعدة بعدما مضت منه تسعة أيام سنة 959 هـ ". و قد خلف سيدي سعيد ابنا واحدا وهو سيدي علي أمحمد، قرأ عليه القطب الواضح والشيخ الناصح، مغيث الإسلام، حامل لواء الشريعة سيد الأنام الجامع بين الشريعة و الحقيقة، أبو الحسن علي الشريف فقرأ القرآن على والده، ثم على الولي الشريف الحسني ثم أظهره، فسافر هو و الشيخ عبد الرحمان بن علي بن عثمان المشهور على ألسنة الناس سيدي دحو بن زرقة إلى مجاجة عند العلامة الكبير، القطب الشهير، شيخ الشيوخ على الإطلاق ومن ترجع إليه الناس في المسائل عند الشقاق، سيدي محمد بن علي البهلولي المجاجي الوطاسي للقراءة فمكثا إلى أن تمهرا في كل علم و أخذ عنه الطريقة الشاذلية ثم أمرهما بالرجوع إلى معسكر و قد أمر سيدي دحو بأن يكون تلميذا لسيدي علي الشريف و لا يفارقه إلى الموت، فرجعا معا، و اشتغل ببث العلم إلى أن فرقت بينهما الفريضة السماوية. كل شيء هالك إلا وجهه، رحم الله الشرفاء جميعا و نفعنا بكل بركاتهم آمين. و هذا على حسب ما جاء في الوثيقة المخطوطة و المؤرخة في سنة 985 هـ. وقد أنجب سيدي علي أمحمد أربعة أولاد : سيدي الصحراوي، سيدي بن تراري، سيدي سحنون، سيدي بن يخلف.

سيدي بن يخلف

مولده : ولد سيدي بن يخلف سنة 1007 هجرية بمنطقة الراشدية وفي مكان يدعي عين الحجر و تسمى ألحجر البيض، وأمه رقية بنت سيدي عبد الله.

نسبه : سيدي بن يخلف بن على أمحمد بن سعيد بن أحمد الزحاف بن أحمد ابن يخلف بن علي بن يحي بن راشد بن فرقان.

دراسته : لقد تلقى في زاوية والده القرآن الكريم و الفقه والحديث والتفسير عن شيخ من سجرارة. و قد نبغ سيدي بن يخلف في كثير من الفنون و خاصة قراءة القرآن الكريم و دراسة رسمه، و حفظه عددا كبيرا من الأحاديث النبوية، و نعته شيخه سيدي بن حليمة السجراري و سماه إمام الوجود و شيخ التعديل، كما عرفه شيخه بالمحدث و الفقيه المتظلع في الفنون هذا جزء من شهادة شيخه سيدي بن حليمة.

سفره إلى راس العين : لقد سافر سيدي بن يخلف إلى راس العين التي تبعد عن مدينة معسكر بحوالي خمسة كيلومترات و ذلك ليتابع دراسته عند الشيخ عبد الرحمان المدعو سيدي دحو بن زرفة و هذه القبيلة بلغت من الشهرة حدا كبيرا في العلوم. لقد نزل سيدي بن يخلف بهذه المنطقة المسماة " رأس الماء " أو " رأس العين " فأمضى سريعا دارسا النحو و التوحيد و الحديث والفقه وعلم الحساب فلما لاحظه شيخه أحبه كثيرا عن أقرانه، و بعد ما رأى فيه نظرة جيدة وضعه في منصب أمين على الطلبة. لقد كان لسيدي بن يخلف سيرة خاصة حيث كان كاتما سر شيخه و سر طلبته ثم بعد ذلك يمضى التاريخ سريعا. والصلة بين سيدي بن يخلف و زملائه الطلبة وبين شيخه قوية ومتينة لا تنفك أبدا لقد ألم بجوانب العلم و بلغ درجة في الفهم و الإدراك فقد أتم ما بقي على شيخه السابق، لقد كان أمام شيخه سيدي عبد الرحمان أدبيا رقيقا، فصيح اللسان، ازداد في العلم و التضلع حيث أصبح حلو الألفاظ، حسن الحديث، أعرف الناس كيف تكلمت العرب و كيف كان مستواهم اللغوي، كان أحسن الطلبة ألفاظا بالقران الكريم وأسرعهم نفوذ في غامض مسائل النحو، إنه يعتبر من العلماء المحققين، لقد كان يؤلف ما حققه عند شيخه ويجري التجارب الشخصية على الفنون التي يدرسها، لقد حفظ الصحيحين و أتم شرح البخاري على يد شيخه سيدي عبد الرحمان، لقد ساعد شيخه في نسخ تأليف قام به رحمه الله كان يحدوه حادي العلم والرغبة و الإرادة الصادقة لهذا تجشم الصعاب حتى أعطاه الله ما يريد إنه حمل راية الحديث بلا نزاع، إنه من العلماء المحققين في الحديث فلازم شيخه سيدي عبد الرحمان ملازمة كبيرة وقرأ عليه ما شاء الله من الدواوين و الكتب وأخذ عنه الأجازة وخصه شيخه بالإكرام في نهاية المطاف وهيأ له الجو المناسب.

مكانة سيدي بن يخلف العلمية : أكرمه الله سبحانه و تعالى بمواهب جليلة و صفات كريمة عظيمة حتى كاد أن ينفرد بهذه المواهب الجليلة إنه وحيد في زمانه لم يدن أحد في فضله و علمه ممن عاصره فقد فاق غيره بمكانته الوهبية، و مواهبه العلمية، انه انتهل من علوم شيخه سيدي عبد الرحمان، لقد كان يحبه الشيخ عبد الرحمان من بين مجلسه العلمي، يفضله في الصلوات الخمس و صلاة التراويح و صلاة العيدين. وقد ورد هذا الكلام في تأليف الشيخ عبد الرحمان المسمى " ياقوته المرجان " والذي يؤكد فيه بأن سيدي بن يخلف من أفقه تلامذته، و أنه أفضل زمانه في العلم و المعرفة والأخلاق إنه الأمام الصوفي الصالح العابد له العلم بالحكمة، و له معرفة كاملة في طريق الصوفية.

قائمة الطلبة الذين درسوا معه : إن النجوم التي درست معه هي في الحقيقة علامات يهتدي بها و هي كالتالي : عبد الرحمان درعيني قرأ عليه السبع، محمد بن حسناء تعلم عليه في دينه، سيدي بن يخلف أخذ عنه النحو و التوحيد والفقه والحديث، سيدي أعمر التراري قرأ عليه النحو و الأصول و التفسير، سيدي عفيف قرأ عليه العلم الحيسوبي وعدد كثير من الطلبة.

عودته إلى مسقط رأسه : لقد تم تسريح سيدي بن يخلف من طرف شيخه حيث عاد إلى زاوية والده و شرع في إعطاء الدروس لأبناء منطقته فازداد مجلسه العلمي و أخذ أبناء الراشدية يتوافدون عليه ليأخذوا عنه ما يلقيه عليه من الأدب والحكمة و يسجلون ما يرويه عليهم من الموعظة الحسنة و قد انتهل من علومه حشد كبير من المسلمين في أهل زمانه كما ساهم مساهمة إيجابية في نشر العلوم و إشاعة المعارف والآداب بين الناس و متابعة الطريق القادرية فذاع صيته وقصده طلاب العلم من كل صوب، فقد بلغ ما تلقاه من مشايخه سواء كان علما أو طريقة، لقد تولى عدة مهام أهمها محاضر يقصده الناس من آفاق المعمورة ليسمعون له، كما اكتفى في الأخير بالتدريس و التدوين و كلف تلاميذ ته بنسخ تأليفه إلى أن وفاه الأجل المحترم في اليوم الثالث من شهر ذي القعدة سنة 1099 هجرية و دفن بجوار أهله و ذويه وذلك بجبل الراقوبة رحمه الله و نفعنا ببركاته آمين.

الطلبة الذين تخرجوا عليه : مات سيدي بن يخلف لكن عمله لم يمت حيث بقي في صدور الطلبة الذين تخرجوا عليه و التراث الذي تركه. وهؤلاء الطلبة هم على التوالي : الشيخ أحمد بوجلال، الشيخ سيدي أحسن، الشيخ بن حواء، الشيخ سيدي العوني، الشيخ أعمر التراري، سيدي حمزة العمراوي.

مؤلفاته : لقد ترك وراءه ثروة علمية ضخمة لأبناء الراشدية أودعها في مؤلفاته المفيدة التي كان معظمها حول التفسير و الفقه و الحديث و التصوف. وكتب عنه عدة رسائل علمية كلها أشادت له بعلمه و فضله، انتفع بها أبناء عصره، وهناك رسائله الخاصة هي مقدمة تأليفه التي وضعها فاتحة لرأى المتصوفين، وقد عالج فيها موضوعيات تروق لهم و تفيدهم في دينهم ودنياهم و تقرب إلى أذهانهم أشياء قد يستصعبون فيما العلماء و طلاب العلم، وأما مراسلات التصوف فيها يسلك طريق الواعظ الذي ينشد صلاح الناس وتقوم عقائدهم و سيرتهم للعصاة و المنحرفين، هذا هو النزر اليسير الذي هو كل ما نعلم عن حياته و عن آثاره.

من تراثه الفكري : يقول " الحمد لله الذي جعل الفقراء حلية أوليائه و نورهم بأنوار معرفته و رحمته، و فجر ألسنتهم ينابيع حكمه و طهرهم من الناس بما أحتماهم به من لطفه و نعمته و الصلاة التامة على سيدنا محمد و آله و صحبه، فهذه إشارة إلى ما يعتمده الفقراء الصوفيين في طريقهم، جمعت من مصادر عديدة مما تضمنه من الأحاديث النبوية، و خرجت له ما حوته من الآثار الصوفية. لقد قيدت الكلام و رتبت الألفاظ و فسرت معناها وكان الفراغ منه يوم الثلاثاء بعد العصر قبل المغرب بعد ستة عشر خلت من ربيع الأول عام 1086 هجرية و كتبها الفقير بن يخلف بن علي أمحمد.

ما يقوله تلميذة أحمد أبي جلال : " الحمد لله وحده و صلى على سيدنا محمد وعلى آله، أعلم العلماء المتحدثين أبلغ البلغاء المتشرعين، حاوي فضائل المتقدمين و المتأخرين جامع أنواع العلوم وأنواعها الشرعية، مكمل الفنون الأدبية مقيد الفروع والأصول، ناهج من مناهج المعقول و المنقول، مجتهد زمانه، فريد عصره و أوانه شريف العلماء من أبيه وأمه، أوحد الفضلاء في مادته منبع روح اليقين، هذه المراسلة إلى شيخنا، سيدي بن يخلف بن علي أمحمد عليه ألف سلام، مادامت الأزمنة والأيام وكيف أنتم والأهل والأولاد وكافة الأخوة و الطلبة. لقد وصلت يا سيدي بن يخلف و يا شيخي والحمد لله والشكر لله على السلامة و العافية إلى طنجه بالمغرب يوم الأربعاء، فوجدنا سادتنا الإخوان في الزاوية قائمين مسافرين فحمدنا لله و شكرناه بوجودهم و وجود زاوية الأخيار الأبرار، وها أنا الساعة أتربص إن شاء الله على الركوب لفاس، رفع الله عنا وعنكم كل بأس ". كتب هذه الرسالة السيد أحمد أبن أبي جلال المشرفي يوم 12 جمادي الثانية 1089 هجرية.

في تأليف أبو الحسن علي بالبوري و الذي سماه على بركة الله " الجوهرة الكبرى "، هذا التأليف يتضمن أشراف و أعيان منطقة غريس " إن مكانة سيدي بن يخلف الصالح العلمية حيث أكرمه الله سبحانه و تعالى بمواهب جليلة و صفات خاصة كريمة عظيمة حتى كاد أن ينفرد بها، فاق غيره بملكاته الوهبية و مواهبه العلمية، إنه أنتهل من علوم مشايخه، و قد يعتبر هذا الشريف من أفقه التلاميذ و أنه أفضل أهل زمانه في العلم و المعرفة و الشرف، وقد ازدان مجلسه بعد عودته بأهل العلم حيث أنهم جاءوا يأخذون عنه ما يلقيه عليهم من الآداب و الحكمة و يسجلون ما يرويه عليهم من الموعظة الحسنة، وقد أخذ عنه حشد كبير من المسلمين في أهل زمانه من بينهم سيدي بالغيثات المغربي و سيدي أحمد بن عربية، كما ساهم مساهمة ايجابية في نشر العلوم الإسلامية وإشاعة المعارف بين الناس، و قد وافته المنية يوم الثاني من الشهر ذي القعدة 1099 هجرية ودفن بجوار جده سيدي يخلف الكائن بجبل الراقوبة.

وقد حضر جنازته جمع غفير من الأهالي و صلى عليه العلامة سيدي أحسن بن دحو بن زرقة، وله عقب صالح حيث أنجب عشرة أولاد وثلاث بنات إحداهن قد أنكحت بأحد أبناء سيدي أمحمد بن يحي وهو سيدي محمد الكبير أما أبناؤه العشرة هم : سيدي المصطفى، سيدي الطاهر، سيدي المكي، سيدي الفرادى سيدي بن حواء، سيدي أحمد المليانى، سيدي بن عامر، سيدي محمد الصغير، سيدي عدة، سيدي ظيفور.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://aouf.7olm.org
Admin
Admin
avatar

عدد الرسائل : 303
تاريخ التسجيل : 28/05/2007

مُساهمةموضوع: رد: معسكر رجال وتاريخ   13/4/2010, 17:02

الشيخ بن حواء

وقد برز الشيخ بن حواء من بين وسط إخوته حيث كان له فضل كبير من حيث الذكاء فأصبحت له غزارة علمية، و مما يلاحظ عليه هو حسن أقواله و فصاحة لسانه و بلاغة حنانه و حسن مناظراته و إيجاز خطبه، وقد أثار ذلك والده سيدي بن يخلف من فضل وحب و إرشاد. إنه في الحقيقة إمام كبير و شيخ شهير له شجاعة فائقة إنه الحجة مطلع على المسائل و الأصول. و فتاويه مدونة مشهورة و خصوصا في تأليف للشيخ محمد بن عبد الله الجيلالي فقال : " إنه رجل شريف محترم إنه شيخ أعظم الصدور الجهابذة, انه شيخ الإسلام و علامة العلماء الأعلام فقد كانت حلقاته حول شرح التفسير و كان يحضر لخطبة أكابر العلماء فأذعنوا له ".

مولده : ولد الشيخ بن حواء بمكان يدعى ألحجر البيض بمنطقة الراشدية يوم 14 من شهر شعبان 1053 هجرية، وتوفى يوم 13 جمادى الثانية 1175 هجرية.

دراسته : تلقى هذا العالم الجليل علومه الأولية في زاوية والده سيدي بن يخلف قبل أن ينتقل إلى جبل الراقوبة، ثم بعد ذلك سافر إلى المغرب الأقصى و بالضبط إلى مدينة فاس و بجامعة القرويين ليصادف في بداية الأمر الأستاذ محمد علي الفاسى بسوق الخميس آنذاك بباب المحروق ( فاس ) و هذا الأستاذ رغم كبر سنه فإنه يعتبر من أشايخه في القرآن الكريم حيث قرأ عليه سلكتين. و بعد حفظ القرآن و حفظ أحكامه جملة و تفصيلا تفرغ لدراسة الفقه و الآداب، فكان من المتفوقين في حفظ الأحاديث النبوية و التفاسير فدرس المدونة الكبرى للأمام مالك و ابن الحاجب الذي هو عمدته، أما الشيخ خليل فقد أتقنه إتقانا. و قد جلس المرحوم في حلقة اللغة العربية حيث بدأ يحفظ " قطر الندى و بل الصدى " و ألفية ابن مالك على شرح ابن عقيل و همزية البوصيري، فكان من النجباء في علم العروض والمنطق، و مما يجلب انتباه المشايخ أنه كلما أنهى فنا من الفنون إلا ألف فيه. فتراه يشرح الحديث ويفسر القرآن و الشريعة فمن صحيح البخاري إلى التفسير، إلى المنهاج، و عجالات أخرى في فنون متعددة، ومن المشايخ الذين تربع في حلقتهم هم كالتالي : الحاج إدريس الرامي، مولاي الطاهر الوزاني، سيدي العربي بن عبد الله الفاسي، أبو الحسن الجامعي، أبو أمحمد عبد الواحد، أبو الحسن على بن هارون، سيدي على القندوسي، سيدي محمد أبو عبد الله، أبو النعيم رضوان أبو عبد الله، أبو العباس أحمد بن علي، فهناك مشايخ عديدة درس عليهم بحيث يتعذر حصرهم و ذلك لكثرة عددهم.

يا عقل فأنت نسخة الوجود لله ما أعـلاك من موجـود

أليس فيك العيش و الكرسي و العالم العلوي و السفلـى

مـا الكون إلا رجـل كبيـر و أنت مثله رجـل صغيـر

و بعد الفترة التي قضاها بفاس عاد إلى مسقط رأسه حيث وجد والده سيدي بن يخلف لا زال حيا يرزق و قبل موعد مجيئه من فاس قامت أهاليه بتحضير المستلزمات للقائه وبعد ذلك مباشرة تهيأت مجموعة من النساء لأعداد الكسكس المعروف لدى أهالي منطقة الراشدية، بحيث تقوم النسوة بتنظيف و ترتيب خيم الضيافة و يقمن بطهي الطعام، أما الرجال فيقومون بإبلاغ كل من وجدوه في طريقهم و يفتتح اللقاء بسورة الفاتحة إلى أن ينتهي. ولما عاد إلى مسقط رأسه ذاع صيته بحيث هرع إليه أبناء الراشدية فحط رحاله الشيخ بن حواء في زاوية والده، فتهاطل عليه طلبة القرآن و التوحيد والفقه، فاكتسبت المنطقة سمعة مقدسة حتى كثر زوارها من بينهم آل عثمان. لقد كان في استقباله حشد كبير من أبناء أهله و ذويه، وعلى اختلاف ثقافتهم و أعمارهم ممتزجا بروح الجودة والكرم، فاستأنف الشيخ بن حواء، نشاطه العلمي حيث راح ينشر العلم بزاوية والده الكائنة بالراقوبة، فكانت حلقات الطلبة موزعة ومرتبة. فهناك حلقة طلبة القرآن، وحلقة للتدريس و بالأخص للمبتدئين و حلقة أخرى لمستوى عالي. فتخرج من هذه الزاوية عدد لا يحصى، الشيخ بن عامر القدومي، الشيخ الهاشمي بوناب الولهاصي، الشيخ عبد الجليل بن علي بن يحي، الشيخ حمري أحمد، الشيخ عبد الرزاق بن سيدي لزرق الزموري، إبراهيم الهطالي.

أوصافه : الشيخ بن حواء آية في الذكاء و الفهم و كان يقول بصحيح العبارة ( فهمي لا يقبل الخطأ ). فهو محقق له حواش على معظم المصنفات، انه الفقيه الحافظ المحدث ذو الباع الطويل في العلوم، لاسيما في التفسير، وشرح على صحيح البخاري، وله تأليف أخرى مفيدة كشرح الهمزية إنه من محبي السنة فهو عمدة الفقهاء في الآفاق، و خلاصة القول، كان عجيب الفهم، غزير العلم موصوفا بمحاسن الأوصاف، إنه مرجع منطقة أفليته، له مشايخ كثيرة، مقيدة في تقايده القيمة و كان من أحسن المشايخ سيرة و صورة، متهجد ورع مشارك كلما أقرأنا ظن السامعون أنه لا يحسن غيره و كان اعتناؤه هو كثرة التأليف انه عالم القرن، في العالم الإسلامي، و مجد في التفسير و الحديث، ثم بعد ذلك بنيت له مكتبة ضخمة تضم أمهات الكتب بمكان يسمى خروبة و هذه المكتبة هي بجانب الزاوية حيث لا يزال آثارها إلى يومنا هذا، فبداخل هذه المكتبة العديد من المؤلفات والمجلدات الإسلامية والأدبية والتاريخية. وقد تضاعف أكثر نشاطه الثقافي فراح يقدم التفاسير والأحاديث وأصول الشريعة كما أن له خطب و مراسلات مع ملوك آل عثمان هي بحوزة والد الشيخ المهدي البو عبدلي المدعو عبد القادر، ومع معظم علماء تونس الذين كانوا يدعونه مرارا.

من تراثه العلمي : له مؤلفات مغمورة في الخزائن الخاصة إلى يومنا هذا والتي لم نسمع عنها إلا بعض العناوين المقتطفة من هنا وهناك. يقول الشيخ المهدي البو عبد لي : " له تفاسير عديدة و شرح مصنف خليل، و شرح ألفية ابن مالك، وتآليف أخرى لا تقل أهمية منها في التصوف، وفي النسب" و ما إلى ذلك من مصادر أخرى موجودة عند بعض العائلات المعروفة بشهرة العلم، فسأرفق ضمن هذا التعريف القصير نماذج من بعض تآليفه.

في نقاش للشيخ المهدي البو عبدلي يقول فيه : " الأسباب التي دفعتني عن التركيز في البحث عن هذه الشخصية هو أنني فوجئت بعد ما تصفحت بعض النسخ من تراثه و خاصة تاريخ الصحابة لقد تبين لي أن البحث و التنقيب عن مثل هذه الشخصيات و بالأخص التي لا زال تراثها مغمورا يستغاث له و الله ولى التوفيق ".

نماذج من تراثه العلمي : لقد قام بنسخ التفسير نسخا حرفيا.

في التفسير : " لقد تلقيت التفسير بحمد الله من تفاسير متعددة رواية و دراسة عن أئمة ظهرت و بهرت مفاخرهم و اشتهرت و انتشرت ما آثرهم جمعني الله و إياهم و المسلمين في مستقر رحمته بمحمد وآله و صحابته و ها أنا الآن و بحسن توفيقه أقول و هو الموفق لكل خير و معطى كل سول ".

في الفقه : " قوله : بسم الله الرحمن الرحيم ، أول ما كتب القلم في اللوح المحفوظ بسم الله الرحمن الرحيم. إذا قرئ على شيء حفظ وحروفه تسعة عشر بإسقاط اللامين كل حرف جنة، عادتهم يبدؤون به للحديث، كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه باسم الله فهو أبتر و أقطع أي ناقص قليل البركة أي كل حال يهتم به شمل الواجب و المستحب والمباح، خرج المحرم و المكروه و منهم من قال إقتداء بكتاب الله وهو ضعيف عند المالكية، لأنه ليس من الفاتحة عندهم إلا أن تقول يبدأ به، و إن لم يكن من الفاتحة شمل الاسم و المسمى و الرحمة العامة قليل معناهما واحد، و قيل معناها ذو الرحمة أي بدأت لبسم الله قوله ? الله ? لا يختل بنقص حرف منه إذا زالت الألف تقول الله ثم له، ثم هو تكرر به القرآن في ألفي موضوع و ثلاث مائة وثلاثين، و قيل في ألفين و خمسمائة و ثلاثين، و هذا الاسم الكريم و هو اسم لا يسمى أحد غيره، قال تعالى ? هل تعلم له سميا ? و هو أعرف المعارف بلا خلاف، و إنما الخلاف هل هو مشتق أو جامد فإذا قلنا مشتق هل هو من أله إذا عبد، أومن إله إذا تحير، قول ? الرحمن لا يسمى به غيره لأنه سمي نفسه الرحمن لله رحمان فعلان من رحم بالكسر صفة مشبهة، و قال آخر هو الاسم الأعظم و لا يجوز أن يقال لغيره الرحمن، قوله ? الرحيم ? و الرحيم يعد من رحم لكن في الرحمن المبالغة ما ليس فيه ( قال في كاشف و لذلك قالوا رحمان الدنيا و الآخرة و رحيم الدنيا و قيل معناهما واحد أي ذو الرحمة و ذكر أحدهما بعد الآخر تطيب لقلوب الراغبين و هو العام بعد العام و تفضل بعد تفضل انتهى ".( )

وفي النسب : " الحمد لله الذي جعل للعرب جمالا تتهافت عليه سائر الأمم و خصهم من كثرة القبائل بما طلع لهم به في كل أفق نجم ورفع لهم بكل قطر علم و أنالهم من الشرف الباذج ما لا تمتد إلى مثله يد، و لا تتخطى إلى نظره قدم، إن المعرفة بعلم الأنساب من الأمور المطلوبة والمعارف المندوبة، لما يترتب عليها من الأحكام الشرعية والمعالم الدينية فقد وردت الشريعة المطهرة باعتبارها في مواضع عديدة، منها العلم بنسب النبي وأنه النبي القرشي الهاشمي الذي كان بمكة و هاجر منها إلى المدينة فإنه لا بد لصحة الأيمان من معرفة ذلك، و منها التعارف بين الناس حتى لا يعترى أحد إلى غير آبائه و لا ينتسب إلى سوى أجداده و إلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر و أنثى و جعلناكم شعوبا و قبائل لتعارفواو على ذلك يترتب أحكام الورثة فيحجب بعضهم بعضا و أحكام الأولياء في النكاح فيقدم بعضهم على بعض وأحكام الوقف إذا خص الواقف بعض الأقارب أو بعض الطبقات دون بعض و أحكام العاقلة في الدية حتى على بعض العصابات دون بعض و ما يجرى ذلك فلو معرفة الأنساب لفات إدراك هذه الأمور و تعذر الوصول إليها.

خطبة عيد الأضحى : ( بسم الله الرحمن الرحيم. الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر جليلا، و سبحان الله بكرة و أصيلا، ولا اله إلا الله توحيدا وتهليلا، سبحان مصور النطفة من الأرحام، سبحان منور المصباح بعد الظلام، سبحان انفرد بالبقاء و الدوام، سبحان من ليس لملكه ابتداء و لا انصرام، سبحانه تبارك اسم ربك ذي الجلال و الإكرام، سبحان من لا يسمى باسمه سواه، سبحان من خضعت له الرقاب و سجدت له الحياة، سبحان من ليس لسلطانه حدود لا انتهاء، سبحان لا راد لأمره و لا معقب لما حكم به و أمضاه سبحانه لا اله إلا هو ما أعظم من إله، سبحان الله حين تمسون و حين تصبحون يخرج الحي من الميت و يخرج الميت من الحي و يحيي الأرض بعد موتها و كذلك تخرجون هو الله الذي لا اله إلا هو يعلم سركم و جهركم و يعلم ما تكسبون. الله أكبر كبيرا و الحمد لله كثيرا و سبحان الله بكرة و أصيلا، الحمد لله الذي هدانا لتوحيده، و الحمد لله الذي شرح صدورنا لمعرفته، والحمد لله الذي يسرنا لطاعته، و الحمد لله الذي أنشأنا على فطرته و الحمد لله الذي جعلنا من التابعين لسنة سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم من أمته، و الحمد لله الذي سبح الرعد بحمده و الملائكة من خيفته، على تتابع آلاء نعمائه و الحمد لله على جميل توفيقه و هداه و الحمد لله الذي أرشدنا أن لا نعبد أحدا سواه و الحمد لله الذي هدانا لهذا و ما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، والحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، و هو الله لا اله إلا هو له الحمد في الأولى و الآخرة و له الحكم و إليه ترجعون ).( )

في التصوف : يقول " وقد كنا بمحروسة فاس نجانا الله من كل باس كتبنا عليها مرارا عديدة. فكان الأول منها سنة تسعمائة و خمسة و تسعون ثم سرق التأليف الأول، فكتبنا الثاني منها بتونس و الثالث بتونس ثم الرابع بالقاهرة، ثم الخامس بالمدينة المنورة ثم السادس بالقاهرة مرة أخرى ثم الثامن بتونس، ثم التاسع ببجاية ثم الحادي عشر، و الثاني عشر بمدينة فاس، وهو تأليف شامل أسمه " الفيض الرباني "، أرجو الله أن يكون نفعه عاما و أن يجعل حيث ما حل رحمة لعباده و بركة في بلاده و أن يحميه من جاهل يتحامل أو حاسد يعرف الحق و يتجاهل إنه ولى ذلك و القادر عليه و هو حسبنا و نعم الوكيل.

إن هذا التأليف قد أختص بتعاليقه الثلاثة إظهار المناسبة في الكلام و الاختصار في التقرير و اعتماد المشكل في السبات تخص بعضها و تعم كلها من ذلك أن الكتاب محتوى على أربعة أنواع. التذكير و الوعظ و هو حظ العوام و الخواص منه نصيب و الكلام على الأحكام و هو حق المتوجهين من كل فريق و بكل طريق و الكلام على الأحوال و هو نصيب المريدين و ربما شبيها أو تشويقا لغيرهم و الكلام على الحقائق و هو نصيب العارفين و المحققين و قد علم كل أناس مشربهم و ما يجرى به حالهم و يليق بهم و بالله التوفيق.

الشيخ محمد بن حواء بن يخلف

وقد خلف الشيخ بن حواء بن يخلف خمسة أولاد، منهم محمد بن حواء بن يخلف حيث يقول عنه أحمد بن سحنون الراشدي ما يلى : " لقد أفرغت دوحة الغوث الطاهر و شجرة الذرية المباركة المولود الطاهر المسمى محمد بن حواء بن يخلف والذي امتلأت نفس والده سرورا فأخذ يغذيه بمثله العليا و خصاله الحميدة منذ ولادته ".

دراسته : لقد فتح الله الباب على هذا العالم الجليل حيث ساعدته ذاكرته التي كانت تنتظر من ينقش عليها و قد نزل ضيفا و حط رحاله عند الشيخ محمد بن عبد الله بن أبى جلال الذي كان مديرا للمدرسة المحمدية التي تم تأسيسها من طرف محمد بن عثمان و الذي كان يترأس رباط و هران. يقول محمد بن حواء بن يخلف : " لقد أخذت عن شيخي محمد بن عبد الله لامية الأفعال لابن مالك وبعض كتب سيبوبه، و تسهيل ابن مالك، و مغنى ابن هشام و شرح إبراز المعاني من حرز الأماني لأبى شامة، وقد طلب مني شيخي الجيلالي أن أضع له تأليف على كل فن من هذه الفنون التي قرأتها عليه، فأجازني و تفننت فيه فلازمت مجلسه أعواما عديدة حيث كان مجلسه نزهة للسامعين فتبارك الله أحسن الخالقين فسمعت عليه كثيرا في الموطأ رواية و ضبطا فأخذت الأحاديث كما تبحرت عليه و توسعت في التفسير، وقد أجلسني شيخي مرارا لتدريس الطلبة بحيث كان اعتماده علي كثيرا، فخطبت مرارا في المدرسة المحمدية، واعتليت الرئاسة كم من مرة، و قدمت دروسا لشرح ابن عقيل على الألفية و ذلك تحقيقا و تدقيقا و لاسيما في شرح الشريعة ".

يقول الشيخ المهدي البو عبدلي : " لقد عثرت على تقييد يتضمن العبارة التالية " فدلائل حكمه وحسن أقواله و فصاحة لسانه و حسن مناظراته، سمحت له يشرح الشروح وبدون خطأ فقد كان يرفع الفاعل على أنه فاعل و ينصب المفعول على أنه مفعول ". ومن بين الزملاء الذين درسوا معه هم : أحمد بن سحنون الراشدي، عبد القادر الراشدي مصطفى بن عبد الله الدحاوي، عبد القادر المغناوي، أحمد العدلاني، محمد بن يحى، أحمد التراري، بالطاهر محمد، و القايد علي، مكي العربي.

وبعد مرور فترة من الزمن شاء القدر المحتوم، و توفي السيد محمد بن عبد الله بن أبي جلال، فقام أحمد بن سحنون و محمد بن حواء بتغسيله وتكفينه و صلى عليه تلميذه الشيخ محمد بن حواء بن يخلف، فكانت كلمة التأبين كالتالي ( رحمك الله يا أبانا، غفر الله لك يا شيخنا، إنك رضيع لبان الحكمة، فإلى روح و ريحان فإلى جنة نعيم ). فاختلف الأمر و ضاق الصدر بمحمد بن حواء بن يخلف، فتفرق أبناء المدرسة المحمدية و بعد المحنة التي سبقتها و هي وفاة مصطفى بن عبد الله الدحاوي حيث مات هذا الأخير وهو لا يزال في عنفوان الشباب، كما أنتقل عبد القادر الراشدي إلى وهران فسكنها و استقر بها إلى أن وافاه الأجل المحتوم. ففي هذه الفترة لم يبق للمرحوم محمد بن حواء بن يخلف سوى عودته إلى مسقط رأسه ليملأ زاوية جده و قد أسندت له مشيخة الزاوية و أصبح يؤم الناس و يخطب ارتجالا و هذا بفضل دقة كلامه وجودة فطنته و إصابة فكره. لقد عاد المرحوم إلى الزاوية ليملأها بنور الله فأمها العلماء والأدباء من كل أصقاع المعمورة وعلى اختلاف ثقافتهم اللغوية فواصلت الزاوية مشوارها و أصبحت أهم مركز في منطقة الراشدية و تفوقت في كل ناحية من نواحي العلوم الدينية واللغوية كما سار المرحوم بخطوات واسعة فأنشأ في أرض الزاوية بيتا كبيرة الحجم جدا خصصها للمسافرين، و كانت لهذه البيت الكبيرة نشر كبير في ميدان العلم بحيث أن هناك آخرون نسميهم ( الناسخون ) لكل تأليف تم إنجازه.

إن محمد بن حواء بن يخلف كان أكثر وقته إطلاعا و أوسعه علما، مما جعل العلماء يفدون إليه من كل ناحية لأنهم وجدوا الأمن والاستقرار وطيب العيش فانبسطت لذلك نفوسهم و اطمأن بهم المقام كانت الزاوية أكبر زوايا المنطقة فكثر فيها الطلب و كثر فيها المشايخ و لم يدخر لأهالي محمد بن حواء بن يخلف أي جهد أو مال لمساعدة هؤلاء المسافرين أو الزوار الذين يفدون على الزاوية.

آثاره العلمية : لنستطع أن نشير إلى ما وصل إليه تراث هذا العالم الجليل هو حسب الرسالة المفصلة من الوثائق النادرة و الهامة فهي تكشف لنا القناع على منطلق الطرفين، و هذه الرسالة هي موجودة بالمكتبة الملكية بالرباط و تفوق أربعة و عشرون صفحة مزينة بالحكمة و اللغة كما يذكر فيها عادات الناس و أحوالهم. وله مؤلفات في التفسير و شرح صحيح البخاري و التعليق عليه و منهاج الشرفاء الخاص بأهالي غريس و مراسلات عديدة. كما حضر لمبايعة الأمير عبد القادر و قيد نص المبايعة على سجلها الذهبي " ولما فسد الزمان، و ضاقت بالمساكين الأركان، من كثرة الذهب و قلة الأمان، و لم يجدوا من يصلح بأمور المسلمين من الأعيان سوى من ذكر، فاتفقت كلمة المعتمرين من أهل الوطن على البيعة للسيد المذكور بالأعلى، وأنا عبد الله من جملة من اتفق معهم على ذلك، فنسأل الله الغني الكريم الوهاب أن يسدده في جميع أفعاله وأن يمهد له البلاد، و يصلح به الفساد، و يهدى لطاعته العباد وكتب العلامة الأوحد، محمد بن حواء بن يخلف ".

يقول أبو الحسن علي بالبوري : " إن الشيخ محمد بن حواء بن يخلف كان نزيها زاهدا متصوفا صلبا في الحق لا تأخذه في الله لومة لائم ولا يبالي بأبناء الدنيا ولا يعدهم بشيء مذكورا، و قد كانت له دراسة طويلة و تأليف مديدة في التاريخ الفكري الإسلامي مع الشيخ العالم العلامة الحاج أحمد بن المكي الخروبى ".

ومن تلامذته أحمد بن هطال من أولاد إبراهيم، و سيدي المصطفى بن جلول، أحمد بن الخوجة، اليعقوبي عدة، العوفي مصطفى، مصطفى بن حواء، والحبيب بن البودالي، أحمد بو قادة، ثعالبي بوناب عبد الله بن ميمون الهاشمي، أحمد بن سحنون، وعدد كبير يصعب حصرهم مع العلم أنهم كلهم مقيدون في تأليفه منهاج الشرفاء.

وفاته : توفى بعد أن أعتق غلاميه ( سالم و بالخير و أمهم حليمة ) يوم 27 من شهر ذي القعدة 1265 هجرية و دفن بمقبرة سيدي بن يخلف رحمه الله آمين

.

الشيخ عبد القادر بن جلول

مولده : ولد المرحوم الشيخ عبد القادر بن جلول بالبودالي بتربة جده سيدي أمحمد بن يخلف سنة 1875 م ( وكان يبلغ من العمر 25 سنة )

أبناؤه : لقد خلف سيدي عبد القادر بن جلول بالبودالي ستة ذكور وثلاثة بنات وهؤلاء الذكور هم على التوالي : السيد محمد، شمس الدين، البدوي، البشير، الحبيب، كلهم حفظة القرآن الكريم. فبرز من هؤلاء الستة السيد الشيخ البدوي.

دراسته البدائية : لقد حفظ الشيخ عبد القادر بن جلول بالبودالي القرآن الكريم وهو في نعومة صغره وذلك في زاوية جده سيدي أمحمد بن يخلف، كما تلقى دروسا أولية في الشريعة على والده السيد بالبودالي الذي كان عالما نحريرا في هذه الزاوية. وكان من رفاقه الذين زاولوا دراستهم معه هم على التوالي : الحبيب بالبودالي، أحمد مختاري، علي بن سحنون، مصطفى بالملياني، محمد بن موفق.

دراسته بمدينة تيغنيف : لقد رحل سيدي عبد القادر بن جلول إلى مدينة تيغنيف ليتفقه على الشيخ عبد القادر بن مصطفى الفرحاوي السحنوني أحد أبناء سديدي أحمد بن علي، وقد مكث بهذه المدينة أربع سنوات درس خلالها العلوم الشرعية والحديث والتفسير.

دراسته بمدينة معسكر : ومن مدينة تيغنيف سافر إلى مدينة معسكر، وقد نزل بزاوية سيدي بوعمران البهلولي الخليفي، ووجد على رأس هذه الزاوية الشيخ عبد القادر بن محمد الذي يعتبر من أكبر العلماء الصوفيين و كان مقرها سيدي علي أمحمد. درس في هذه الزاوية المنطق و العروض و الأشموني ( شرح ألف ابن مالك، النحو والصرف ) رفقة الشيخ بن عبو المشرفي و الشيخ عبد الكريم الولهاصي و الشيخ محمد القداوي ومن زاوية سيدي بوعمران يسافر المرحوم إلى المغرب وبالضبط بمدينة وجدة، بدعوة من أخواله وهم عائلة معروف حيث تلقى دروسا معمقة عن علمائها أمثال الحاج الحبيب الوسيطي وعبد الله البناني و أحمد الفلالي. لقد وجد المرحوم ظالته حيث بقي في المغرب ثمان سنوات إلى أن أجيز، و كان يقدم في كل فن تأليفا ومن بين هذه المؤلفات التي لا زالت مخطوطة هي " منهاج في اللغة العربية "، " السهم المصيب " وهو كتاب في التصوف، مراسلات عديدة في اللغة وفي علم الميزان ، و من بين الذين درسوا معه: الشيخ الوجدي، الشيخ أحمد بالدايج الحبيب بن معروف، بوسته بن عبد الله، الجواد الفليتي و القائمة طويلة.

عودته إلى وطنه : عاد المرحوم إلى وطنه، بدأ بالتدريس وتلقين ما لقيه من معارف مشايخه. وبعد مدة قصيرة من الزمن، زار الشيخ محمد بن أحمد زاوية سيدي بن يخلف قاصدا وراء ذلك سماعه لمحاضرات الشيخ عبد القادر بن جلول فأعجب بدروسه، فطلب منه الذهاب إلى زاوية ثنية الحد وألح عليه كل الإلحاح فلبى المرحوم هذا الطلب وغادر منطقة جده وأهله وذويه. فراح تاركا الأهل والرفاق، تاركا الشيخ بن عبو الذي كانت بينهما مراسلات عديدة وعلماء آخرين.

استوطن الشيخ عبد القادر بن جلول ثنية الحد بصفة نهائية، و تزوج ابنة الشيخ محمد بن أحمد فأنجبت له البنين والبنات فمنهم من مات ومنهم من لا يزال على قيد الحياة. فكان الشيخ عبد القادر بن جلول إماما بارعا بهذه الزاوية وشيخا ماهرا إلا أنه لم يعمر بها طويلا، فالقدر محتوم والأجل مكتوب، فارقت زوجته الصالحة الحياة تاركة وراءها يتامى يبكون يتضرعون إلى هذا القدر. وكانت هذه الموت من الأسباب التي دفعت بالشيخ إلى إنهاء مكوثه بثنية الحد راحلا إلى مدينة البليدة حيث أسس بها مدرسة حرة وهي لا زالت موجودة إلى يومنا هذا. لقد شاع وذاع وامتلأت أسماع البليديين بمن حل ببلدهم أخذوا يروون عنه لبعضهم البعض. أحدهم يقول أنه فقيها وعالما وخطيبا ومفتيا وأنه واسع الرحاب وآخرون يقولون أنه علامة، أنه أديب بارع في كل فن، أنه عذب الموارد، أنه حجة الغائب والشاهد. لما انتشر هذا الخبر وطار صيته في الآفاق، جاءته الأهالي البليدية وغيرها من قريب ومن بعيد ومن كل حدب وصوب ليدرسوا عليه الفقه والأصول، وعلم الكلام والنحو والبيان، وقد أتقنوا عليه علم الميزان، ومن تلامذته الشيخ عمر بابا الذي كان مفتيا في الجزائر العاصمة.

لم يمنعه التدريس من التأليف، بل ألف كتبا في اللغة والتصوف، فلما رأوه أهالي البليدة وعرفوا أصوله وفروعه وحسبه ونسبه زوجوه وتصاهروا معه، حيث تصاهر مع عائلة شريفة النسب وهي من سلالة " النجراويين "، فأنجب من هذه الشريفة نجلا طاهرا وعلى رأسهم أخوته الشيخ المعروف أحمد جلول البدوي.

وفاته : توفى المرحوم الشيخ عبد القادر بن جلول سنة 1916 م عن عمر يناهز 75 سنة وصلى عليه العلامة الشيخ عمر بابا رحمه الله و نفع الأمة ببركاته آمين.

خلاصة القول :

من ذرية سيدي أمحمد بن يخلف نجل البركة سيدي الطاهر المرحوم الشيخ عبد القادر بن جلول. انه الولي الصالح، المحقق الواصل إلى الغاية في علم الفروع والأصول، كثير الإطلاع على مسائل الاتفاق والاختلاف، كثير الدفاع عما قيده فقهاء الأسلاف. سيدي عبد القادر بن جلول جود القرآن، حافظا للحديث والعلوم الشرعية في العبادات والأحكام، ومعرفة رجال الأحاديث كالبخاري وصحيح مسلم، ولم يخل من الإطلاع على علوم الأقدمين، وذكر عنه أنه أقام أعواما ملازما بيته ليفسر الكتب والعبادة وكان إذا اعتمد تأليفا أو نسخ ديوانا لا يهوله ولا يستعظم فيه صعوبة.

شهادة العلماء : ما ورد في تأليف المرأة الجليلة : " ثم شرع في الكلام على أولاد الشيخ وعائلته وأحوال الزاوية التي كان يدرس بها الشيخ عبد القادر بن جلول. الكلام على أولاد الشيخ السيد الحاج ابن المشرقي رضي الله عنه، أكبرهم ولي الله السيد الحاج الملقب محمد الشارف قرأ القرآن على والده فأتقنه غاية الإتقان، وقرأ الفقه على أخيه ولي الله السيد الحاج ابن العربي، واشتغل بالعبادة وبالقيام بأمور الزاوية والعمال فكان رضي الله عنه يقوم الليل وكان صلبا في الدين لا تأخذه في الله لومة لائم، وكان نصوحا للطلبة يتفقدهم عند كل صلاة لاسيما عند صلاة الصبح ويؤدب من توانى على الصلاة أو على قراءته، واشتغل باللهو بالضرب بالعصا وهو مهاب يؤدب حتى الكبار، فإذا دخل قرية العطاف ترى الناس يفرون أمامه من المقاهي ويتركون لعبهم بالضامة أو الشطرنج ولا يرد عليهم أحد ويقف أمامه، إذ كلامه ناقد وعليه رونق وطلاوة ومع ذلك هو قائم بأمر الفلاحة يركب في مصالحها ليلا ونهارا ويجمع حبها للعيال والفقراء، وفي سنة 1327 هجرية سافر لأداء حجة الضرورة وبعد قضائها رجع ولما نزل الحجاج بجبل الطور على العادة وأدخل الفارس بتلك المحطة فمات في ذلك المحل، في تلك السنة رحمه الله. خلف رضي الله عنهم ثلاثة أولاد : السيد المدني، السيد الكربيش أمهم السيدة عودة بنت أخي الشيخ الحاج ابن المشرقي. هذا هو الجو الحافل بالعلم والزهد والتقى الذي عاش فيه المرحوم عبد القادر بن جلول.

الثاني من أولاد الشيخ الحاج ابن المشرفي رضي الله عنه الأستاذ ولي الله العلامة السيد الحاج ابن العربي رضي الله عنه قرأ القرآن على والده أيضا بورش، وقرأ أيضا على ولي الله السيد محمد بن عيسى بناحية زمورة قرب غليزان، وقرأ الفقه على حاله ولي الله السيد الحاج علي ابن الفقيه، وقرأ في علم الكلام على ولي الله السيد الحاج محمد الشراك، وكان السيد الحاج ابن العربي كثير البر بشيوخه، فإذا ذهب إلى أهله كيوم الخميس مثلا رجع إلى شيخه يهديه عظيمة مما يلائمه ويلائم عياله حتى أن الشيخ الشراك عند وفوده عليه اليوم، جاءتني بنتي الصغيرة وكان عاطفا عليه عطفا عظيما. وقرأ أيضا على العلامة السيد الحاج عبد الرحمن ابن المعروف الحجراوي في النحو وكان يحبه محبة عظيمة لإحسانه إليه ويزوره به، وقرأ في علم الميزان على العلامة المرحوم السيد عبد القادر بن جلول أحد أولاد سيدي بن يخلف. الشيخ محمد بن أحمد، زميل الشيخ عبد القادر بن جلول.

قال الناقل : من خط يد محمد بن أحمد قال : ثم أبين لكم بأن الشيخ مرة أخرى هو سيدي أمحمد بن أحمد بن أبي تشنت ابن العربي بن سعيد بن أبي القاسم بن أبي شكيمة بن العابد ابن أحمد الملقب بسيدي أبي تسنت بن أحمد الملقب بأبي يعقوب ابن يحيى بن مخوخ بن نجتي بن عبد الله بن يزيد دفين جبل العمور بدائرة تيارت بن علي بن المهتدي بن صفوان ابن يسار بن موسى بن عيسى بن إبراهيم بن سليمان ابن يحيى ابن عيسى ابن إدريس بن عبد الله بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي كرم الله وجهه وفاطمة بنت رسول الله ? B ?، هذا الكلام وجد مقيدا بخط

المرحوم محمد بن أحمد

يقولون : كان الشيخ محمد بن أحمد جامعا بين الشريعة والحقيقة قائما بدنياه وآخرته، كان في زمانه مكونا لمدرستين قرآنية وعلمية وكان مع انشغاله بإرشاد عباد الله الوافدين عليه من الأقطار الشاسعة بحفظ متن الشيخ خليل ومسائله وصوره ومعظم شرحه، وللمؤلفات في طريق القوم لم تطبع، وكان مجزئا للأيالة بين التهجد وحق الأهل والنوم، وقسم النهار أيضا أجزاء ما بين إرشاد وذكر وقراءة القرآن ودرس، وقد جلب الله السيد عبد القادر بن جلول الغريسي من أولاد سيدي بن يخلف قرية تقرب من العساكر بنحو خمسة أميال وحضر الشيخ محمد بن أحمد في درسه مرارا وتكرارا في ألفية ابن مالك.

كما شغل ولد السيد الحاج العربي في هذه الدروس بالحضور لم يتغيب حتى بلغ فيها اليد الطولي، وقد أجيز من طرف الشيخ عبد القادر بن جلول. إن الشيخ محمد بن أحمد قد بنى مسجدا جامعا مشيدا وأنفق عليه مالا كثيرا في قريته ثنية الحد وحبسه لله تعالى وأحدث فيه الجمعة فكانت تقام من طرف الشيخ عبد القادر بن جلول الغريسي. إن الشيخ محمد ابن أحمد كانت له محبة عظيمة فلذلك كان سره الأعظم في الأستاذ والشيخ عبد القادر بن جلول ( هذه المقالة تم نسخها من كتاب المرأة الجليلة صفحة 264 ).

الشيخ محمد بن أحمد يحكي : " لقد حكى الشيخ محمد بن أحمد أنه قال لقد عم الخير في أيام الشيخ عبد القادر بن جلول الغريسي وانتشر نور الطريقة القادرية بفضله وعم الآفاق وسرى حب الطريقة في قلوب الناس حتى أنك ترى الخماس يحرث وهو ذاكر والراعي كذلك وكثرت قراءات العلم في أيامه وحصلت الرفعة للعلماء إذ كان الشيخ بن أحمد يحب العلماء ويقربهم ويوصي بتعظيمهم ومواساتهم.

الحديث كذلك على المرحوم الشيخ عبد القادر بن جلول الغريسي. ومن أولاد الشيخ سيدي محمد بن أحمد السيد الحاج العربي قرأ القرآن في زاوية أبيه بورش وتفقه على الأشياخ المذكورين، وقرأ النحو وغيره وبقية الفنون على ولي الله السيد عبد القادر بن جلول الغريسي. و بعد وفاة أبيه إشتغل بالتدريس سنين عديدة، وللشيخ عبد القادر بن جلول نظرة حسنة تجاه الحاج العربي إذ سيرته تضاهي سيرة أبيه من العمارة والاشتغال بالعلم والذكر والعبادة وإرشاد عباد الله وأولاد سيدي أمحمد بن احمد السيد الحاج الموسوم قرأ القرآن في زاوية أبيه وتفقه بها ودرس فيها.

ومن أولاد سيدي محمد بن أحمد السيد الحاج أبو القاسم قرأ القرآن والفقه بزاويته أيضا وأولاد الشيخ كلهم درسوا ألفية ابن مالك على الشيخ عبد القادر بن جلول الغريس ولهم سيرة حسنة ومحبة في العلم وفي أحبابهم وفي بعضهم بعضا لا يكاد يطلع أحد على ما بينهم ولهم كرم في إقراء الضيف وإطعام الفقير متعنا الله بحياة من بقي منهم على الكتاب والسنة والجماعة آمين. )

قرأ الشيخ الموسوم العلم على عدة مشايخ منهم ولي الله محمد بن أحمد دفين أندرت قرب ثنية الحد، وقرأ كذلك على المرحوم السيد عبد القادر بن جلول الغريسي أخذ عنه النحو وغيره إلى أن أجازه وأذن له بالتدريس. فدرس في عدة مواضع بزاوية سيدي الميسوم بقصر البخاري وبزاوية سيدي سليمان بندرومة وبلدة مستغانم وفي عرش ولهاصة. وسيدي الميسوم هذا هو الشيخ الموسوم بن محمد بن احمد بن الحاج محمد بن علي بن يوسف بن سيدي يعقوب دفين عرش ولهاصة يتصل نسبه بسيدي عبد السلام بن مشيش(. )

ما عثر في مخطوط للشيخ عبد القادر بن جلول الغريسي :

أيا قبـر حويـت من درر غـدت على الناس في الأقطار تملي وتكتب

وأصبحت يـا ذا القبر روضـة محد و مسكن أهل الفضل فيهم يرغـب

وكنت على مر الأيام والليالي تفيدنا مسائل عند حلهـا النفس تطـرب

ولكـن قضـى الإله جل جلالـه على كل نفس من هذا الورد تشرب

فصبـرا لآل العلم صبـرا محتمـل وصبرا لأهـل الدرس فالله غالـب

ونم نومـة العـروس وأخير فاضـل فضيـف ابن الله مـا هو راهـب

وأسبـل الاه العـرش رحمتـك التي تعودهـا المخزون إذ أنت أقـرب

أوصافه : يقولون عنه له صورة حسنة، طلعته مهابة، نور الشرف يلوح على طلعته، مربوع القد، لا طويل ولا قصير، لا خفيف ولا ثقيل، أبيض اللون، مشرب بالحمرة، كثيف اللحية، أقنى الأنف أشهل العينين، يمشي الهوينا...

من تراثه الفكري : " منهاج اللغة العربية "، " فتاوى على الشريعة " عجلات في الصرف العربي و السهم المصيب، سجلات عديدة مقيدة على ظهر صفحاتها معلومات في معظم الفنون، في النسب في التاريخ، له تأليف في علم الميزان فقال عنه ( لما كان علم الميزان مبنيا على أربعة أركان : تصورات و مبادئها، و تصديقات مبادئها، وكانت مبادئ التصورات الكلمات الخمس. ( الجنس و النوع و الفضل و الخاصة و العرض العام
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://aouf.7olm.org
Admin
Admin
avatar

عدد الرسائل : 303
تاريخ التسجيل : 28/05/2007

مُساهمةموضوع: رد: معسكر رجال وتاريخ   13/4/2010, 17:04

).

الشاعر المعسكري عبد القادر بن حواء

مولده : ولد المرحوم عبد القادر بن حواء بن عبد الله بن يخلف يوم 13 من شهر يناير 1842 م بتربية سيدي بن يخلف.

دراسته : ومما تجدر الإشارة إليه أنه حفظ القرآن الكريم في زاوية جده سيدي بن يخلف، كما أشتهر بحفظ مادة الفقه و بالأخص مختصر خليل الذي حفظه عن ظهر قلب، ثم حفظ التوحيد و الأحاديث النبوية.

و بهذا أستخلص من حياته أهم المواضيع من ديوانه الشعري و أهم القصائد مما يلاحظ أنها اقترنت بمكانته العلمية المرموقة عند أقرانه في عهده، و في شهرته أضحى بمقتضى ذلك سيدا من الأسياد يعيش في نفقه و سعة وسط الأصدقاء. و قد كان ذا نفس حساسة و مزاج حاد ملتهب مشغوف بالملاذ يتنعم بإقامة الليالي الزاهرة و مما لا ريب فيه أنه كان ذا مقدرة على الهجاء و يؤيد ذلك كثير من القطع في أشعاره أنه يصوغ السهام و يفرغها في القالب الوجير مستوعب و يحاول الاستعمال إلا ألفاظا توحي للبصر صورا و لا للسمع دربا و لا يختار إلا استعارات تبرز المعنى حتى صار يعد من حمله أساطير هذا الفن. و ما يتبين لنا من قصائده الشعرية أنه في وثابت غنائه رائعة و ذلك عما مني بالألم الذي لا حد له بسبب تشوقه للذهاب إلى البقاع المقدسة و هذا الألم يفتك من قلبه زفرات قاهرة لا يقهرها و لا يخنقها إلا الالتزام و عدم التأثر الذي تمليه عليه همته و لا تقاليد أصابت النظم و لا موجبات العروض و لا القوافي، ففي قصائده كثير من القطع التي يفيض فيها ( الله ) و يدمع، يبكي منفردا منعزلا وهو يعلم أن البكاء لا يرد لصاحبه ما ضاع منه و لا يجد نفعا لكن مع هذا كله يتشبث بالأمل الوثيق في الذهاب إلى البقاع المقدسة و دائما في أشعاره حول الرسول

من تراثه الفكري أقتطف من ديوانه ما يلى :

القصيدة الأولى

النابي محمد صلـى الله أعـليـه الصادق محمد يا خالق رضيـه

النابي محمد زين ألبه مربوع القد أعليه ران ننشد و القلب زال به

القصيدة الثانية

ان أبديت اعلا أحبيب ننشد

القصيدة الثالثة

ما أعظم يـوم أنغاب نبينا المختـار من أصبـر من دفن الطاهر

ما أعظم يوم أن جـا الفطيمة للـدار دقـدق فـالبـاب نـقــر

قالت له يا سيدي أدخل و اعط لخبار فـي وجهـك أبغيت ننظـر

وفاته : توفى عبد القادر بن حواء يوم 17 مارس 1908 م، ودفن بمقبرة جده سيدي بن يخلف.

الشيخ سيدي علي بن عثمان

مولده : ولد سيدي على بن عثمان بمنطقة جبل زروالة القريبة من رأس العين في القرن التاسع الهجري.

نسبه : من نسب فاطمي وأنه صاحب علم وعمل واستقامة وجاه و ولاية. سيدي على بن عثمان بن عقيل بن أحمد بن محمد بن أبناء أحمد بن راشد بن يحي بن على بن حمود بن ميمون بن أحمد بن على بن عبد الله بن عمر بن إدريس بن إدريس بن عبد الله الكامل بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي كرم الله وجهه وفاطمة بنت رسول الله ? B ?.

دراسته : كان رحمه الله عالما زاهدا كاملا عابدا أخذ العلم عن العارف بالله الكامل الجهبذ الواصل سيدي أمَحمد بن يحى السليماني و لازمه وانتفع به و عمل به و أفاده، كما قرأ على الشيخ أحمد الدراوي. و كان سيدي علي بن عثمان كثير التردد على زاوية سيدي منصور بن أحمد قرب مدينة مستغانم.

كما قرأ فقه اللغة على العالم الجليل سيدي شقرون، والشيخ الملالي و غيره. ومن الرفاق الذين درسوا معه هم على التوالي : سيدي زيان بن يونس المتوفى سنة 977 هجرية، سيدي سعيد المتوفى سنة 950 هجرية. ومن الذين زاولوا دراستهم وحضروا حلقات الشيخ سيدي علي بن عثمان هم : أبي عبد الله سيدي أمحمد بن علي قرأ عليه علم النحو و ميزانه، سيدي بن عيسى الذي قدم من بلدة تفيلات حيث قرأ عليه التوحيد، سيدي بن أحميد، سيدي حنفي و عدد آخر في مخطوطات أخرى.( 1 )

من كلام الشيخ عبد الرحمان، المدعو سيدي دحو بن زرفة اعترافا بنعمة الله تعالى و الذي أهل شيخنا و أبونا المحترم. وولدنا المعظم سيدي بن عثمان، فاتخذ العلم و محبة أهله و العالمين به و إمتثالا لقوله تعالى " و أما بنعمة ربك فحدث "، وقد ورد في الحديث الشريف : ? ليس منا من يتعاظم بالعلم ?، والعالم أشبه بالجماعة ومعناه ليس منا من لا يعتقد أن الله جعله عظيما بالعلم حيث حلاه به بعد أن أزال عليه قذر الجهل و ستر عنه حالته. ثم اعلم أيها الباحث الكريم أن طريق المتأخرين من الصوفية هي اعتماد لشيخ التربية و شيخ الأوائل هو شيخ التعليم، و شيخ التربية ليس يلازم لكل سالك، و إما من كان وافر العقل منقاد النفس فليس بلازم في حقه و تقييده به من باب أولى، و أما شيخ التعليم فهو لازم لكل سالك.

قاله العارف بالله الأمام ابن عباد رحمه الله : " ومن أراد الاستفادة فلينظر إلى كتابنا المسمى " ياقوتة المرجان في مناقب الشيخ عبد الرحمان " وهذا التأليف فيه عجب العجاب إذا هو مرصع بطريق من خوارق أفعاله، وطريق من بدايته وأحواله وذكر فيه نسبه الحسني و نسب تلامذته و كل واحد منهم حسب تخصصه، وأمر تلميذه الأوفى سيدي بن يخلف بنسخ هذا التأليف حتى يبقى تقييدا للخلف الصالح. فهو بيدي أولاد إبراهيم بدوار فليته.

كما ذكر في هذا التأليف المنهاج السني و تعظيم الأولياء له اعترافا بأعالي قدره. و فيه كذالك ذخائر علم التوحيد، و مودع فيه حكم التفريد الخ... " و ستنأتي هذه اللمحة التاريخية في ترجمة الشيخ عبد الرحمان.

الشيخ عبد الرحمان يصف والده : " إن والدي كان ثقة النفس ضابطا لأموره، متفننا في ضروب العلم لاسيما علم التوحيد والتفسير والحديث، فقد بلغ فيها ما لم يبلغه غيره زاهدا عابدا زمانه كله وهو إما ذكر أو تلاوة قرآن، أو مطالعة كتب أو نسخها متين الدين، شديد اليقين، تام الفضل، واسع المعروف، عميم الإحسان، صفيح الوجه، غاض البصر، كثير الحياء، يحب العلم و أهله كثيرا، حج وهو شيخ.

و يقول أحد تلامذته سيدي أحمد بن عيسى: " إن شيخى سيدي علي يعد من أعلا مراتب الكمال بفضل تطبيقه للشريعة المحمدية و التوسل بها إلى الله. إنه كامل في نفسه في أخلاقه في تصرفاته. بالغ الغاية المثلي التي تليق به و بغيره و بمن يحطون به من غير أن يحمله على ذالك وصف يكون فيهم بالتفضيل. فقد كان ثقة و حجة وإمام و فقيه، يرتحل كثيرا هنا و هناك. لقد كان قدره عظيما و شأنه عند الملوك فائزا، بفضل علمه و انتشار ذكره، فانتفع الكثير منه فشيخ زاوية

سيدي منصور يفيدكم أكثر

وقد وردت العبارات التالية في مخطوط( 1 ) لشرفاء غريس و علمائهم : " بعد ما توفى سيدي على أخبرني من أثق به أنه وقف على قبره مرارا فسمع تلاوة القرآن و ليس هذا ببعيد. و سيدي على من القوم الذين حرموا على أنفسهم شبهات المكاسب و طرحوا غوار الاستعمال في جميع المذاهب و وفقوا مع حدود التدبير. فجدوا كل الجد و نزهوا جوارحهم عن نقائص النميمة و الحسد فتح الله عليه من فضله بابا و كشفت له المخدرات عن وجهيها نقابا فعاين منها المحاسن و رشف من ريقها ماء غير آس ووقف بساحل بحر كل سائح و اعترف له بالفضل كل تاجر رابح فهو صاحب قلم الأعلى والقدح المعلى، قد طاع القلم لبنائه، والنظم و النثر للسانه. نسيج وحده رواية و أخبارا، و وحيد نسجه رومة واكتبارا، و فريد وقته خبرة و اختباراً، و صدر عصره إرادة و إصدارا، صاحب علوم، رافع ألوية العلوم. أما الأدب فلا يسبق فيه مضماره، و يشق غباره إنشاء، سائل الطبع، و أما الأصول فهي من فروعه، في متفرق منظومه ومجمع منثوره. وأما النسب فإلى حفظه أنسب، ففي تاريخ الأخر الأول. أما أبوه سيدي عثمان بن عيسى فكان أفضل أهل عصره، و خاتمة الأعيان الذين ألفوا.

وفاته : يقول الشيخ عبد الرحمان : " توفى والدي عصر يوم الجمعة ثالث شعبان عام ثمانين و تسعمائة ( 980 ) هجرية من الهجرة النبوية وهو يبلغ من العمر سبعة و ثمانون ( 87 ) سنة، رحمه الله ورحم الأمة جمعاء و نفعنا بمحبتهم يوم الاحتياج إلى العلماء دنيا وأخرى. و قبره أي مدفنه برأس الماء، و قد سميت برأس الماء لأنها أرض كثيرة الأجمة، شديدة البرد، و لما خرجت روحه قدسها الله في أعلا العليين من الذين أنعم الله عليهم من النبيئين و الصديقين و الشهداء و الصالحين و الحمد لله رب العالمين. اللهم أغفر لنا ما مضى، و أصلح لنا ما يأتي بجاه رسولك المرتضى آمين و الحمد لله رب العالمين.

الشيخ سيدي عبد الرحمان

يقول الشيخ مصطفى بن عبد الله الدحاوي بعد ما سئل عن جده أجاب بما يلي : " الحمد لله ذي المورد الأصفى، و الشراب العذب الأشفى والتعريف بآل النبي مصطفى أهل الصفا والوفا والتعريف بذريته و آل بيته، الولي الكامل الأمين الشيخ عبد الرحمن بن علي بن عثمان, صاحب الأسرار الظاهرة و الأنوار الواضحة، العالم العلامة والحبر الفهامة، كامل الشرف من أبيه وأمه، أعطاه الله شعاع العلم والتبصر فيه، وقد اجتمع شعاع العلم في صورته لينير به المسلمين. قال تعالى ? فذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين و زاد في قوله ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم و لا هم يحزنون ? و زاد في قوله ? إنما يخشى الله من عباده العلماء ?.

إن شرف جدي سيدي عبد الرحمان و نقلا عن تلميذه سيدي بن يخلف. إنه أصفا من الماء العذب في اللمعان، و صاحب السر والجود والإحسان، كان رضي الله عنه من العلماء العاملين والصلحاء الكاملين فبلغ الغاية في علم المعقول و المنقول، كما كانت له همة عالية، وكان موصوفا بالرئاسة و الكرم و الشجاعة مدرك لجمع الحقائق.

كما ورد في نص آخر : تفقه الشيخ عبد الرحمان بن علي بن عثمان على الشيخ عبد القادر المدعو سيدي قادة، و الشيخ أحمد بن علي أبهلول وعنه أخذ الطريقة، كما وجه الشيخ أحمد بن علي أبهلول لومه لبعض الطلبة و أخبرهم بأن الله منحه رؤية و سماع أربعين يوما فسلموا له من ذالك الحين و صاروا يحبونه بحب الشيخ و سألته عن قوله في بعض تحريراته. ( الزروالي، الراشدي ) لزروال نسب الاشتهار. و للراشدي بن علي بن يحي أحد الأجواد و منهم تنسلت بنو راشد. و مما يدل على هذا النسب و ما بعده من الخبر. آثار مخطوط العالم الشهير الولي الكبير الشريف الأصيل سيدي عبد الرحمان درعيني، و كما لولده سيدي حسن قوله مشهورة يقول فيها : " قال لي والدي : برغبة منا عن القراءة بالشرف العاقل، عليكم بالعلم فإنه يزيد للشريف شرفا، و لا غنا لأحد عنه. فله زاوية كبيرة القدر، كثيرة البذر يقصدها المتعلمون من أبناء الراشدية و غيرهم. و شهرتها غنية عن التعريف. و له تلامذة كثيرون نذكر على سبيلهم، منهم سيدي عبد الرحمان درعيني الشريف الحسني والولي الناسك الشريف سيدي بن يخلف، والسيد محمد بن حسناء وغيرهم. و قد خلف سيدي عبد الرحمان أبناء أجله في العلم و الشهرة و الرئاسة وبدور آهلة تخص منهم بالذكر، الفاضل، الجليل الشريف الأصيل صاحب الفضائل و الفواضل و المزايا العديدة العالم الجليل، المتفنن الجميل العادل الماجد، البارع الفارد، الكاتب الفاخر، الناظم الناثر، ذو المعالي و الأعراب، و الفنون و الآداب، و الكرم و الأخلاق مع الحسب الأصل و النسب و المعارف و التحصيل الشريف الجميل. أنجب من كل حثو في طلب العلم. السيد مصطفى بن عبد الرحمان بن دحو الشهير بابن زرفة الذي له تأليف قيمة لم نعثر إلا على بعض الصفحات المخطوطة منها و ذلك في بعض الخزائن الخاصة.

وقد توفي الشيخ مصطفى بن عبد الله يوم 29 من شهر ذي الحجة من سنة 1215 وهو شاب بسبب عاصفة ريح جارف راح ضحيتها مجموعة من الطلبة. وهناك كتابة خطية لسيدي محمد الابن الأكبر للشيخ عبد الرحمان، يقول فيها : " إن والدي الشيخ عبد الرحمان قد ولد يوم 29 من شهر الربيع الأول من سنة 953 هجرية. كما توفى يوم 19 من شهر جمادى الثانية سنة 1040 هجرية. فقام بتغسيله و تكفينه أبناؤه و معهم الشيخ بن حواء بن يخلف و صلى عليه سيدي حسن رحمه الله و نفعنا ببركاته ".

وله عقب صالح و هم خمسة أولاد هم على التوالي : سيدي محمد، سيدي حسن، سيدي عبد القادر، سيدي يحي، سيدي الهاشمي.

ومنهم العالم الجليل الشريف الأصيل يقول عنه واصفا إياه شيخه عبد الرحمان له تآليف متعددة، أبرزها " ياقوتة المرجان في مناقب الشيخ عبد الرحمان "، هذا التأليف مقيد على ظهر صفحاته أبناؤه وتلامذته. ومن بين تلامذته كما ورد الشريف الطاهر، الزكي الماهر السيد بن يخلف فقد جلس في حلقتنا و قرأ علم الميزان وعلم الأصول فكان من النجباء الأذكياء الأقوياء، نفع الله به البلاد. و قد أجزته أتم الإجازة و أذنته أن يحط رحاله بجبل الراقوبة قبل أن ينزل بعين الحجر. وكذلك الشريف الحسيني عبد الرحمان درعيني والذي كان متفوقا في علم التوحيد وله شهرة عظيمة و مكانة مرموقة، والسيد محمد بن حسناء، حافظا للمتون، لقد أتقن المدونة الكبرى للإمام مالك، فتخصص في علم الحيسوبي، و السيد عفيف قرأ الفنون العديدة، فألف في التفسير و له مقالات عديدة، و عددهم كبير مما يفوق عن أربعمائة طالب فكلهم علماء فضلاء أتقياء. مقيدون في تأليف لشيخ عبد الرحمان

من تراث سيدي أحسن بن عبد الرحمان :

ن لفظ التشهد المختار لمالك هو ( التحيات لله ) أي الألفاظ الدالة على الملك مستحقة إليه تعالى ( الزاكيات ) أي الناميات و هي الأعمال الصالحات، ( الطيبات ) أي الكلمات الطيبات و هي ذكر الله تعالى ( الصلوات ) الخمس قيل كل الصلوات و قيل الأدعية و قيل العبادة كلها لله تعالى ( السلام ) اسم من أسماء الله تعالى أي الله عليك حافظ و راض ( أيها النبئ و رحمة الله ) تعالى و بركاته والمراد بها ما تجدد من نفحات إحسانه زاد في بعض روايات الموطأ ( و بركاته ) أي خيراته المتزايدة ( السلام علينا ) أي الله شهيد علينا إنا قد أمنا بك و أتبعناك، وقيل المراد بها هنا الأمان أي أمان الله علينا. ( وعلى عباده الصالحين ) المراد به هنا المؤمنون من الجن والإنس و الملائكة ( أشهد ) أي أن الله لا إله معبود بحق إلا الله زاد في بعض الروايات ( وحده لا شريك له ) له في أفعاله ( و أشهد أن محمد عبده و رسوله ) و لا بسملة فيه إلا بسملة في التشهد أي يكره و لو بتشهد نفل وأما حكم البسملة في الصلاة هو ما ذكره بعد قوله و جازت كتعوذ بنفل كرها بفرض و يوجد في بعض النسخ و لا بسملة فيها بضمير المؤنث العائد على الفاتحة كما قرر به الشارح أي في صلاة الفرض لا مطلقا و رجعه البساطي الصلاة المعهودة قال و على هذا فالنفي الوجوب و السنة و الاستحباب.

العلامة السيد مصطفى بن عبد الله الد حاوي

أبو عثمان محمد الذي قيضه الله لفتح وهران، و أرشده إلى منبع السعادة والغفران، الممتطى منصة الرضوان، ومشيد راية الإسلام و الإيمان، و باسط مهد العدل و الأمان، أتحفه الله برضاه و جدد له اللطف و أمضاه تولى سنة اثنين وتسعين ومائة وألف على الصحيح. فكان رحمه الله من أهل البلاغة و اللسان الفصيح, فهو ثاني ملوك العثمانية. وبها رفع ذكرهم وانتهى خبرهم. فلما دوخ الأتراك و الأعراب و هابته الأباعد و الأقارب وذلت له الملوك والجبارة وخشيته الفراعنة و الأكاسرة و أطاعته الرعايا، وخصت به المزايا، و وفدت عليه الوفود، ودارت به العساكر و الجنود فحاصر مدينة وهران، وضيق عليها من كل فج نزهة الزمان، ودام عليها إلى أن فتحها صبيحة الاثنين خامس رجب سنة ستة من القرن الثالث عشر و كان رجلا جسيما بالتجدير. أسمر اللون لا بالطويل ولا بالقصير محبا للعلماء و الصلحاء و الفضلاء. و الأدباء والشجعان و النبلاء قريب الغضب سريع الرضا شديد الأوامر والأمضا كثير الغزو على أهل الصحراء دائم الارتحال و الإسراء. ففتح الأغواط و الشلالة و عين ماض و مزاب و أبا الضروس و نزل شراعة وهم بفتح بني يزناسن وأبي عروس. و بلغ مبلغا لم يبلغه أحد من ملوك الأتراك ووصل المواضع التي صعبت على غيره و سهل عليه بها الإدراك و أعظم فتوحاته فتح وهران التي سيرها الله على يده للمسلمين دار الأيمان و الأمان.

ولما فتحها و ارتحل إليها للسكن قصدته الأدباء بشعر الأسنى فمن ذالك قصيدة العلامة السيد مصطفى بن عبد الله الدحاوي مؤلف فتح وهران.

ولمـا أراد الله جـبر قلـوبنـا و برء ضناها من معـالجة العنـا

و فتحا لأبواب السعادة إذا دنت و رمنا به إنجاز وعـد يسـرنـا

ونيـلا لنـا بكـل ما قد طلبناه و رمنا به إنجاز وعـد يسـرنـا

و جمع أمور قد نـاءت لشتاتهـا و ساعدنا غيب الزمان بنا إعتنـا

و جمع أمور قد نـاءت لشتاتهـا و ساعدنا غيب الزمان بنا إعتنـا

أمدنـا فضـلا من عطـاه ورحمة بإبراز نجل طـاب نفسا ومعـدنا

ذاك الفتى الذي قد تسمـي محمدا لـه بركات ما للأساء و الكنـا

هنالـك قد تم السـرور و شأنه و أي سرور مثله حـل قطرنـا

قـرت به عين ذي المفاخر والعلا أبي على نجـل الكـرام إمامنـا

كريـم نشـأ مـن كريم مسـرة و لازال ذلـك المقـام محصنـا

يمحص التعظيم كابـر بعدكابـر قصراهم وقفـوا المؤيد شرعـنا

أولئـك قوم للمعالي ق اعتـزوا لهم قدم في المجـد نيـرة السنـا

فكـم من خميل رام قربهم فاحتمى و إن كان ذو افتقار عاد إلى الغنا

سيلهـم بـذل الكثيـر سجيـة فبحر نداهم عم شرقنا و غربنـا

سمـا قدرهم عن كل قرن مزاحم و شتـان مـا بين القرنين معلنـا

قصدنا بذاك النجل كل استقامـة و نيل أمور يستجـاب بها الثنـا

ورقي بلوغ سن مشيخـه العـلا و رب كريـم لا يخيب قصـدنا

و كيف لا و هو بين أصلين ثابت كريميـن بادييـن طيبـي الجنـا

وهل تلد الليوث إلا ضرا غمـا و وكر النبرات مستدام لا يفتنـا

لطير سواهم من ذي مخلف أو ذوى مناقر تلقط الحشـاش و مادمنـا

لك البشرى بخير الدارين معا علـى مـدا الدهـر من رب الأنام إلا هنا

و ما قيل من المدح فيه حال سكناه للمعسكر و حال فتحه لوهران و بعد فتحه لها و سكناه بها كثير يقل حصره و تضيق به الدفاتر. و قصة فتحه لوهران مشهوره ألف فيها العلماء كالشيخ بن حواء محمد و الحافظ أبى رأس، والسيد مصطفى بن عبد الله الدحاوي و غيرهم، عدة تأليف و صنف فيها مابين النثر و النظم جملة تصانف و قد مر لنا طرفا من ذكرها حسبما نتجته القريحة من بنات فكرها، ثم أن الباي المؤيد بنصر الرحمان السيد محمد بن عثمان.

لما استقر بوهران قدمه جمع لسكانها الناس من كل مكان فبعضهم باع له الأماكن، و بعضهم أقطع له أمير المؤمنين، وثمن المبيع عمر به بيت مال المسلمين، و يوم دخوله لوهران بأهله ومخزنه بغاية نيله، قدم أمامه الصلحاء و بيدهم صحيح الأمام البخاري تبركا و تيمنا بفضله فحقق الله رجاءه و نشر صيته و دمر أعداءه، وبنا بالموضع الذي وقف به فرسه عند الباب للمواقف مسجد الصلاة الخمس و الجمعة. يعرف عند الناس بجامع بالناصف ثم بني في السنة السابعة و المائتين و الألف قلة البرج الأحمر فزادت له رونقة، لصعودها سماء مشرقة، و القلة لغة عربية موجودة في كلام شعرائهم، فمن ذالك قول مولانا علي الهاوى و يعرف بعلي التقي بن محمد الجواد بن علي الرضى بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين السبط بن علي بن أبى طالب رضي الله عنه حين سعى به إلى المتوكل العباسي. إن عنده كتبا و سلاحا فأرسل المتوكل له جماعة من الأتراك وهجموا عليه ليلا على غفلة فوجدوه في بيت مغلق و عليه مدرعة من الشعر و هو مستقبل القبلة يترنم بآيات من القرآن في الوعد والوعيد ليس بينه و بين الأرض بساط إلا الرمل والحصاء فحمل على هيئته إلى المتوكل و المتوكل يستعمل الشراب و في يده الكأس فلما رآه المتوكل أعظمه و أجلسه إلى جانبه و تناوله الكأس فقال يا أمير المؤمنين أخامر لحمي و دمي قط فاعفني منه فأعفاه و قال أنشدني شعرا فقال إني لقليل الرواية للشعر فقال المتوكل لابد من ذلك فأنشده.

باتوا على قلل الأجيال تحرسهـم غلـب الرجال فمـا أغنتهم القليل

و استنزلوا بعد عز عن معاقلهـم فأودعـوا حفوا يابس مـا نزلـوا

نادهم صارخ من بعـدما قبـروا أبن الأسـرة و التيجـان و الحلـل

أيـن الوجوه التي كانت منعمـة من دونها تضرب الأستار و الكلـل

فأفصح القبر عنهم حين سائلهـم تلك الوجوه عليها الـدود ينتقـل

قد طال ما أكلوا دهرا و ما شربوا فأصبحوا بعد طول الأكل قد أكلوا

فبكى المتوكل ثم أمر برفع الشراب و قال يا أبا الحسن أعليك دين قال نعم أربعة آلاف دينار فدفعها إليه ورده إلى منزله مكرما، وكانت ولادته رضي الله عنه في رجب سنة أربعة عشرة و مائتين و قيل ثلاثة عشر. ووافته لخمسين بقين من جمادى الآخرة سنة أربعة و خمسين و مائتين، من رأى كما مر و لما أكمل رحمه الله بناء القلة و يقال لها أيضا القنة بالنون كتب على صالة مركز جلوسه بإمامه الأبيات التي أنشدها العالم الجليل، المتفنن الجميل، الشريف الأصيل صاحب الفضائل و الفواضل، ذو المزايا العديدة، العالم الجليل، العدل الماجد، البارع الفارد. الكاتب الفاخر الناظم الناثر ذوا المعالي الأعراب و الفنون والآداب و الكرم و الأخلاق مع الحسب الأصيل و النسب والمعارف و التحصيل الشريف الجميل أنجب من كل حثو. في طلب العلم و لحو السيد مصطفى بن عبد الله بن دحو مؤلف فتح وهران. و جامع الجواهر الحسان و الذي له تأليف عديدة و قيمة، في التاريخ والتفسير وله مراسلات مع الأمراء و الخلفاء له ديوان شعر أقتطف منه هذه الأبيات.

يا غافلا عن أمور زانـها ذهـب و لونـها جميـل و تمرهـا رطـب

و نورها مضئ و جـودها دائـم و صوتها منشد بالحسـن مرتقـب

أقصد ديوان أمير المؤمنيـن أبـى عثمان تلقى الخيرات كلها كوعب

به تشـارك مـن نـوى لمقصـده فهو منافع للـورى فمـا أرهـب

به اشتباك الزهر في صفحته حكـى فكيف بالعشائر المقيـم صوحـب

و حكى عن الأهـالي به يتفنـون و كيف يسلكون بكلهم مذهـب

فعند ذا خاطبوني وابتسـامي بـدا منه جواب عن سنون يظل المنحب

كيف انساب الأمور اللواتي ارتبطت برضى من يسر قـدر أو ينتصـب

أهكذا عقال عصـر قـد التصقوا يا لذي نصر القديـر علاه رحـب

أظهـر به كيـف الـذي ترونقه محبة الصديق عن الأهالـي ركـب

تجدهم باختلاف في الدعـاء إلـى من واحـد لواحـد بالـند رتـب

إلى كمال العطا مـن غير مبتجـل لا حـدود لعطـائـه قـد قـرب

وبناء المدرسة العظيمة بحنق النطاح التي بها ضريحه و تعرف الآن بالمدرسة. وبَنا أيضا الجامع الأعظم المعز و للباشا حسن المذكور رحمه الله ابتدا بناءه عام السبعة من القرن الثالث عشر و تم في الثامن أو التاسع وكان تاريخ ذلك مكتوبا بالحجارة التي به مع جملة الأشياء المحبسة، وبناء الجامع الأعظم بعين البيضاء من بلد معسكر و تاريخ البناء له و لمدرسته مكتوب بجانب محرابه كما بنى جامع الكرط و الجامع الأعظم بالبرج إلى غير ذلك من شعائر الإسلام و كتب على بعض حوائط الأحمر تاريخ فتح و هران و أعادها الله للمسلمين و خرج الكفار منها أذلة صاغرين.

الشيخ مصطفى بن عبد الله بن محمد

نسبه : هو الشيخ مصطفى بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمان المدعو دح بن زرفة، نسبة إلى أمه زرفة، و المشهور بهذه التسمية

عبد الرحمان بن عثمان بن عيسى.

ولده : ولد مصطفى بن عبد الله الدحاوي براس العين و بزاوية جده سيدي دحو. حيث امتلأت خيمه والديه نورا تتلألأ. و بدرا من بدور السماء حل بهذه الخيمة، وهي في الحقيقة خيمة الخير و البركة.

دراسته : في بداية أمره أدخله والده المسجد المقسم إلى فروع فحفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب، ثم أضاف والده المتون والمختصرات في الفقه و الحديث والتوحيد. تاقت نفسه للازدياد من العلم والتضلع من فنونه كان رحمه الله يحدوه حادي العلم و الرغبة و الإرادة الصادقة لهذا تجشم الصعاب حتى أعطاه الله ما يريد.

رحلته في طلب العلم : لم يكد يبلغ سن الفتوى حتى ألم بجوانب من العلم وبلغ درجة في الفهم و الإدراك. فاستأذن والده أن يسافر من راس العين إلى مدينة معسكر ليلحق بالعالم الجليل الذي طار ذكره في الأفاق. المرحوم الشيخ أبي راس الناصري، فقد تتلمذ عليه و سأله الأجازة، فكان مطلبه مرغوبا، و كان المرحوم مصطفى بن عبد الله من أهل الفضل و الكمال و أصبح من أهل العلم والإفادة، وإحياء ذكرى الإسناد و الرواية، قاصدا أن يروي جميع ما أخذه عن العلماء في القديم والحديث. وقد تتبع المرحوم أثناء دراسته ما أوصاه به شيخه فكان أهل للتحمل و الأداء و من أهل الإتباع و الإقتداء، وتقوى الله تعالى في السر و العلانية مع إتباع أهل السنة و الجماعة. و مجانبا طريق أهل البدع و الضلالة.

أعماله و مناصبه : عاد رحمه الله من رحلته الطويلة و التي أمضى بها زمنا طويلا في الدراسة. إذا كان الحكم آنذاك لآل الدولة العثمانية ولوه منصب القضاء و ذلك لما رأوه على صلة طيبة بأقرانه ومشايخه و أهل منطقته كما عرف بالتقدير من علماء منطقته. وقد سمعوا لدروسه علماء المنطقة الغريبة أثناء سفره، حيث أفاد واستفاد.

ولما رأى فيه محمد بن عثمان هذه الخصال الحميده، وتعرف على علمه ونسبه، أسند له منصب كاتب لأمارة الباي. كما كلفه بمهام أخرى مساعدا لرباط و هران في حصار الأسبان و مدرسا بالمدرسة المحمدية التي يدير إدارتها محمد بن عبد الله بن أبي جلال، لتكتمل العدة في هذه المؤسسة المحمدية حيث وجد بها محمد بن حواء بن يخلف مدرسا و أحمد بن سحنون مدرسا ثم تعهد مصطفى بن عبد الله على أن يقوم بتنفيذ كل الوقائع النضالية هناك. وبعد أن تم فتح وهران عين مصطفى بن عبد الله الدحاوى قاضيا بها.

قصة فتح وهران : قصة فتح وهران مشهورة ألف فيها العلماء كالحافظ، أبوا راس الناصري و السيد مصطفى بن عبد الله الدحاوي و غيرهما فله عدة تأليف و صنف فيها مابين النثر و النظم جملة تصانيف.

مقتطف من ديوان شعر مصطفى بن عبد الله بن دحو:

و لمـا أراد الله جبـر قلوبنـا و برء ضناها من معالجة العـنـا

و فتحا لأبواب السعادة إذا دنت و ظفرا بأكمـل المبـر و المنـا

ذاك الفتى الذي قد تسمى محمدا له بركات ما للأسمـاء والكنـا

أبـا رأس الملـوك و شهمهـم و قطب عساكر العثمانية الغنـا

لك البشرى بخير الدين معا على مدا الدهر من لرب الأنام إلاها

و في قصيدة أخرى يقول :

يا غافلا عن الأمور زانها ذهب و لونهـا لجيـن و تمرهـا رطـب

و نورهـا مضئ و جودها دائم و صوتها منشد بالحسـن مرتقـب

أقصد ديوان أمير المؤمنيـن أبي عثمان تلقى الخيرات كلها كوعب

به تشارك من نـوى لمقصـده فهو منافع للـورى فمـا أرهـب

إلى نهاية القصيدة

إلى كمال العطا من غير مبتجل لا حـد و لعطائه قـد قـرب

هذا مقتطف من أشعار مصطفى بن عبد الله الدحاوي و خلاصة لهذه الترجمة البليغة. المرحوم مصطفى بن عبد الله بن عبد الرحمن الشهير بابن زرفة من خواص كتاب الباي محمد بن عثمان، عالم وأديب وشاعر، و قد كلفه هذا الباي مساعدا لرئيس رباط وهران في حصار الأسبان، ثم عهد إليه بتقييد الوقائع النضالية هناك.

و يعد من تلامذة الشيخ محمد أبى رأس الناصري الشهير و قد قرض له بعض تأليفه، و بعد أن تم فتح وهران عين قاضيا بها زمنا حتى عصفت ريح الوباء الجارف فمات و لما يجاوز عهد الشباب في سنة 1215 هجرية

وفاته : توفى المرحوم مصطفى بن عبد الله الدحاوي وهو شاب بسبب عاصفة ريح الوباء الجارف و ذالك يوم 29 من شهر ذي الحجة عند سنة 1215 هجرية.

آثاره و مؤلفاته العلمية :

- الرحله القمرية في السرة المحمدية.

- الاكتفاء في حكم جوائز الأمراء و الخلفاء.

قال المؤلف إن أول من دخل المغرب الأقصى هو مولانا إدريس بن مولانا عبد الله الكامل بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي كرم الله وجهه وفاطمة بنت رسول الله ? B ?، و بعده أخوه مولاي سليمان الذي نزل تلمسان وذلك اعتمادا على ما للنوفلي و ابن خلدون و ابن أبي زرع. والداخل والنازل و المستقر بمدينة تلمسان هو ابنه محمد دفين جبل وهران.

إن مولانا سليمان قتل بفخ كما عند مصعب بن حزم، والمبايع له بتلمسان هو ابنه محمد دفين جبل وهران، وعقبه بعين الحوت وأتوات، و وادي شلف، وتونس، وأشكول، وتيهرت، وترارة، ووادي ملوية، وبني شقران، من مستغانم، وبمصر، والسودان، وتادلة و سجلماسة، وقشتالة، وبقبيلة الأخماس، وفاس، ووادي الرمان.

قال صاحب القرطاس لما ظهر النفس الزكية بمكة فبويع له بالموسم و تبعه أهل مكة و المدينة و الحجاز وكان له ستة إخوة. فبعث أحدهم لإفريقيا ليدعو الناس فأجابه بها خلق كثير من البربر و بعث آخر لخراسان ليدعو الناس أيضا للمبايعة، وبعث سليمان لمصر ليدعو الناس للمبايعة، فلما اتصل به خبر وفاة النفس الزكية فر إلى بلدة النوبة، ومنها إلى السودان، ثم رجع إلى زاب إفريقيا، ومنها إلى تاقدمت وقام بها أياما، ثم انتقل إلى تلمسان واستوطنها في خلافة مولانا إدريس و تزوج بها فولد له عشرة أولاد هم : محمد، أحمد، إدريس، إبراهيم، علي، سليمان، عيسى، الحسن، الحسين، و عبد الله.

قال الإمام السيوطي : " و أما مولانا سليمان قتل بفخ وخلف ولدا واحدا وهو محمد ومنه تفرعت أغصان هذه الشجرة، وكل شريف حسني سليماني فهو من أولاد مولانا سليمان دفين جبل وهران.

هذا هو الصحيح حسب سلاسل الفروع السليمانية الآتي ذكرهم : ( الحسن، الحسين، الناصر، يوسف، علي، عبد الرحمن ) فهؤلاء الستة درجوا بدون عقب. (عبد الله الفقيه المحدث، أحمد، الحسين، إدريس)، فهؤلاء الأربعة هم أصول الفروع السليمانية. أما الثلاثة الأولى فهم أهل عين الحوت ومنها تفرقوا، وأما السيد إدريس رابع الإخوة، استوطن سجرارة و خلف بها تسعة أولاد وهم السادة : " إبراهيم، عيسى، الحسن، يحيى، علي، الحناش، محمد عابد، يعقوب، وحمزة ". ثم تفرقوا، فنزل إبراهيم تونس، ونزل عيسى أشكول، ونزل الحسن تيهرت، ونزل يحيى توات، ونزل علي وادي شلف، ونزل الحناش ترارة، ونزل محمد عابد بني شقران بمستغانم، ونزل يعقوب مازونة، ونزل حمزة بيدر قرب تلمسان. فهذه منازلهم ومحل سكناهم، ثم اعتراهم الانتقال من قرار إلى قرار فنأت الديار وحالت الأغيار، ذلك تقدير العزيز الغفار.

ومن الفروع السليمانية أولاد سيدي مَحمد (فتحا) بن يحيى مقرئ الجن.

وسيدي مَحمد بن يحيى مقرئ الجنون النير المحيا

نسل الملوك السليمانيين الكاملين شرفا و دينـا

الولي الصالح أبو يعقوب

وأما الولي الصالح الشريف الحسني أبو يعقوب المعروف النازل بجبل مغراوة، فقد خلف عشرة أولاد هم : " محمد، عبد الله، المبرقش، أحمد، زيان، إبراهيم، علي، أبا القاسم، عبد الرحمن، عمر و مسعود ". هذا ما خلف مولاي يعقوب الشريف والذي تنسل منه الشرف في جبل مغراوة. منهم فرقة في غريس يقال لها أولاد سيدي إبراهيم المغراوي ومنهم فرقة أيضا في غريس يقال لها أولاد سيدي مَحمد ( فتحا ) بن يحيى قراي الجنون.

والد المرحوم سيدي مَحمد ( فتحا ) بن يحيى

هو أبو زكرياء " سيدي بوسكرين

يقول الشاعر :

أبو زكريـاء و ابن يحيى محمد بعلمهمـا حـازا كثيـر المناقـب

ترى علمه في الراشدية زاخرا لعمر بدا كالشمس من غير حاجب

ومحمد أبى إسحـاق نجل محمد سمـوح إذا يرجـى سمـى المراتب

وتجويـد القرآن سـرا أذاعه فحاملـه يتلـوه خيـر مصـائب

أبو زكرياء المدعو سيدي بوسكرين من رجال القرن الثامن الهجري. لقد كان عالما عاملا زاهدا كاملا أخذ العلم عن معاصريه من أبناء الأمام ( التلمسانيين ) وغيرهم، و هو من أولاد يعقوب بن محمد أمغار من ذرية سيدي سليمان بن عبد الله الكامل ابن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي كرم الله وجهه و فاطمة بنت رسول الله ? B ?، ذكره في فتح الرحمن و في ترجمة ولده مَحمد ( فتحا ) بن يحيى، وقبره بمدينة معسكر معروف، وإجابة الدعاء عنده موصوف. ويعرف بسيدي أبو زكرياء.

كتب الولي في الله الشيخ عبد السلام الإدريسي المقيم بوزان كتاب إلى سيدي بوسكرين نصه كالتالي : " بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. أوصي بإكرام الطلبة وبرهم. الحمد لله وحده. إلى الشيخ الأجل الحافة الأعلى ولينا في الله تعالى أبي زكرياء اليعقوبي أدام الله عزه وكرامته بتقواه وليكم في الله تعالى عبد السلام الإدريسي المقيم بوزان أعز الله بمعونته سلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. أما بعد. فإنا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو ونشكره على نعمه ونصلي على محمد النبي المصطفى ورسوله ونسأله الرضى ونوالى الدعاء لصاحبه. إنا كتبنا إليكم أكرمكم الله بتقواه. من حضرة وزان حرسها الله بفضلكم والذي نوصيكم أيها الطلبة به هو الجد والاجتهاد في القراءة وتقوى الله والعمل بطاعته لأن كل من يدخل مدينة معسكر يشاهد ويسمع أصواتكم وأنتم تتلون كتاب الله. والاستعانة به والتوكل عليه وقد وصلنا كتابكم وفق الله جمعكم فتصفحناه ورأينا ما يحمله وما يتضمنه تقييدكم وإجماعكم وعلى ما اجمع عليه شيخكم أهل الله والفقراء والأعيان من الأمر الذي أوجبوا على أنفسهم لإحياء ليلة القدر وأعطيتموها صفقة اليد وفقكم الله لما يحبه ويرضاه والله تعالى وبدون شك يتقبل منكم هذا العمل ويعينكم على القيام والإكثار من هذه الأفعال وأنتم أقرب إليه من الحبل الوريد وأنه لا شك يوفي بوعده سبحانه وأنتم في هذه المنارة العلمية والتي هي محل التعظيم. إنكم في هذه الزاوية أشد الناس محافظة على الدراسة، وإخوة أبي زكرياء إبراهيم ومحمد ويعقوب لهم ما يكفيهم من المال والتقوى ومن العلم. ونحن مشايخ وزان نحمد الله الذي أرانا في هذا البلد رجلاً سخر الله له الريح. حررنا هذا الكتاب بعد الإقامة من الحضرة ونيل البركة وما وجدوه من أثر وسريان الانتفاع من أقوالكم وأفعالكم التي تسلمناها من خلال مكانتكم فمشايخ وزان عرفوا لكم حقكم من جلال مكاتبتكم وأفادوكم وأحملوا له خيرا طالبين الرعاية المتصلة والمستمرة والسماع لشيخكم الفاضل أبي زكرياء والله ولي عونكم وصوبكم إلا الله والسلام التام الكريم العميم عليكم ورحمة الله وبركاته. تمت في الثاني عشر من شوال عام ثلاث وتسعون وثمانمائة من الهجرة النبوية."

سيدي مَحمد ( فتحا ) بن يحيى

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على من لا نبي بعده. الحمد لله الذي رفع مقام الصالحين من عباده، واختارهم لقربه ووداده واختص منهم البضعة النبوية والسلالة العلوية بمزيد إجلاله وإمداده والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وبعد.

هذه ترجمة الولي الصالح سيدي مَحمد ( فتحا ) بن يحيى مستخرجة من تراجم عديدة لعلماء غريس. والترجمة المسماة " البستان في ذكر الأولياء و العلماء بتلمسان " كما كتب حفيده سيدي محمد الأعرج الفاسي دارا ومنشأ الغريسي أصلا. ومن عقد الجمان من شرفاء غريس بعد أن قال صاحب هذا التأليف لا أذكر إلا من ثبت نسبه عند علماء القرن الحادي عشرة بلا خلاف.

من ثبت له في الشرف الفاطمي نسبه، وصفى له منه مشربه، الولي الكامل والعالم العامل سيدي مَحمد ( فتحا ) بن يحيى المغراوي المنشأ والدار من أولاد يعقوب بن محمد أمغار من ذرية سليمان بن عبد الله الكامل بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي كرم الله وجهه وفاطمة بنت رسول الله

تفقه سيدي مَحمد ( فتحا ) بن يحيى على الإمام سيدي محمد بن يوسف السنوسي وغيره من علماء تلمسان، وقال في البستان في ذكر الأعيان في ترجمته هو السيد الفقيه العارف بالله الناسك المحقق الوارع ذو الكرمات العلية والأخلاق المرضية، أخذ العلم بعد مسقط رأسه بمدينة تلمسان وحصل التوحيد والفقه والحديث والأصول والمنطق والحساب والفرائض و برع في المعقول والمنقول. شارك غيره في العلوم الظاهرة وانفرد بالعلوم الباطنية بل زاد على الفقهاء بحل المشكلات لاسيما في التوحيد والتفسير والحديث. وهو الذي أوصل علم التوحيد لبني راشد، وذكر له من الكرامات ما يعرف بالوقوف عليه، رحمه الله ونفعنا به ووفقنا لسلوك طريقته وخلف رحمه الله عقبا صالحا منهم العلامة الحجة السالك الفقيه المقرئ المجود أبو إسحاق يعقوب المعروف بسيدي المزاري وقبره بمدينة معسكر معروف و لا عقب له، ومنهم سيدي محمد الكبير انتقل إلى جبل تسالة من وطن بني عامر، وقبره هناك معروف مقصود للزيارة، ومنهم سيدي محمد الصغير وهو الجد الأعلى الذي خلفه والده على الزاوية إلى أن مات ودفن مع أبيه. وخلف ولده أبا محمد سيدي عبد القادر ولما توفي خلف ولدين سيدي محمد أعريبي الذي تجتمع فيه أولاد سيدي أعريبي والسيد محمد الملقب بالنجادي، وإليه انتهت رئاسة غريس على عهد دولة آل عثمان علما وعملا وجاها ورئاسة وقبره بتربة جده الأعلى سيدي مَحمد ( فتحا ) بن يحيى.

توفي سيدي محمد النجادي سنة تسعين وألف هجرية (1090 هـ) وبعد وفاته انقسمت الرئاسة بين ولديه، سيدي عبد القادر بغداد، وسيدي محمد المعروف بمرضعة افريحة على عادة الأشراف في اتخاذ المربية لأولادهم وكثيرا ما ينسبونهم لمربيتهم في صغرهم ومن هؤلاء تفرعت السلالة السليمانية بغريس.

عمود نسب سيدي مَحمد بن يحيى

نسبه : سيدي مَحمد ( فتحا ) بن يحيى بن زكرياء بن موسى بن أحمد بن يعقوب بن محمد بن عبد الله بن محمد الشريف بن محمد بن أحمد بن علي بن أبي القاسم بن أحمد بن أحمد بن إبراهيم بن عبد الله بن عيسى ابن الحسن بن يوسف بن محمد بن عبد الله بن إدريس بن سليمان بن عبد الله الكامل بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي كرم الله وجهه و فاطمة بنت رسول الله ? B ?، هكذا وجدنا ترجمته في عدة مصادر فاخترنا من بينها فتح الرحمان.

مولده : ولد بمدينة معسكر سنة ثمانمائة وثمانية وثلاثين هجرية ( 838 هـ ).

دراسته : لقد زاول المرحوم بمينة معسكر دراسته الأولية، فكان يتلو القرآن عن ظهر قلب، فمن فمه تؤخذ الأحكام أما الفقه وأصوله فهو إمامه، و المنطق فهو مقدمة عنده فيعتبر من مقدمات مفهومه.

و إن أردت النحو فلاكلام فيه لأحد سواه، وإن اقترحت المعاني والبيان فهو نموذج مزاياه. إذا استخدم القلم أبدى سحر العقول، وإن جرت الحروف على لسانه وفق بين المعقول والمنقول.

وكانت مشايخ منطقة الراشدية تحبه وترضاه وتثني عليه وذلك لما رأوا فيه فطنة الدراسة، وكثرة الصلاة والصيام، والتقوى والزهد والورع. فقد أجازوه ورخصوا له بالسفر لمزاولة الدراسة بمدينة تلمسان.

دراسته بمدينة تلمسان : من جملة الأعلام المثقفين والمتقين ومن الأكابر الذين يجب اعتقادهم في الدين والذين لهم عبادة وديانة وصلاح وزهد وولاية. لقد كان سيدي مَحمد ( فتحا ) بن يحيى على سنن السلف الصالح رضي الله عنه وعنهم أجمعين.

لقد نزل سيدي مَحمد ( فتحا ) بن يحيى بمدينة تلمسان وبالضبط بمسجد السليمانيين المسمى في ذلك العهد. حيث أخذ ما ابتغاه من الشيخ الإمام أبي عبد الله محمد بن يوسف السنوسي التوحيد والفقه والأصول والبيان والمنطق والحساب والفرائض والنحو. لقد كان ممدوحا عند شيخه، ماهرًا في علم التوحيد. له نجابة ودراية في هذا الفن، فكان دائما جنبا إلى جنب مع شيخه أبي عبد الله محمد بن يوسف السنوسي. فلم يزل يستشكل كثيرا من مسائل علم التوحيد فيأتي به مرة بالمشافهة ومرة بالكتاب، ففتح الله عليه، وكان في عين شيخه أحب من الآخرين.

فلما أراد الله فتح بصيرته في هذا الفن كان، لأن هذا الأمر من فضل ربي، وبعد هذا الفتح الإلهي والذوق الكلي وتحقيق البركة بفضل الملازمة والاستحسان، أصبح شيخه يحثه على الحضور معه في حلقات التدريس كلها، حيث كان كالأسد في وسط الأشبال وهو بين الطلبة زئير في علم التوحيد فاسترق النظر إليه من خلال الحلقة. وكان يكلفه شيخه بالتدريس حيث يجتمع عليه الناس. فكان عمدة هذه الحلقات كلها، وأركانها شأنا وعلما وعملا مما دفع بشيخه أن يجيزه. و قد رخص له بمغادرة تلمسان ليتجه إلى ما هو مقيد ومكتوب عند الله. فغادر سيدي مَحمد ( فتحا ) بن يحيى ومعه زملاؤه، سيدي محمد المديوني وسيدي عمر العطافي.

عودة سيدي مَحمد ( فتحا ) بن يحيى إلى منطقة الراشدية : فكانت الزاوية التي تم تأسيسها لقراءة العلم الشريف بقرية الكرط تنتظره وذلك في سنة ثمانمائة وسبعة وستون هجرية (867 هـ) كانت هذه الزاوية تطعم الغرباء والواردين زيادة عن الطلبة المسافرين وبالجملة فإن هذه الزاوية هي عبارة عن بيت كريم يأتي إليه الناس من كل صراط مستقيم. وذكر أنه أثناء عودته إلى الراشدية ازدحم عليه الطلبة من كل حدب وصوب، ولما تغلب الأسبان على وهران ومد يده لداخلية البلاد، انتقل سيدي مَحمد ( فتحا ) بن يحيى لوادي فروحة في حدود سنة تسعمائة هجرية ( 900 هـ )، وأسس هناك رباطا لطلاب العلم، فقصدها الطلبة من الآفاق وحضروا مجلسه وانتفعوا به، وبسببه انتشر العلم بوطن الراشدية، فصار الوطن الراشدي كعبة العلماء، وقبلة الطلبة النجباء، الذين حملوا راية العلم ثلاثة قرون.

ومن طلبته باختصار : لقد أخذ عنه العلم وانتفع به سيدي عبد الله بن عبد الرزاق الإدريسي وسيدي علي بن عمير الحمودي الإدريسي وغيرهما وسيدي محمد بن عباد الكبير الذي أخذ عنه مختصر ابن الحاجب الفرعي، ورسالة أبي زيد القيرواني، وألفية ابن مالك، والحساب، والعروض وعلم الحديث، والفقه والتصوف، والتوحيد، والبيان، والمنطق، وسيدي عمر بن عثمان حيث كان هذا العالم رحمه الله عالما نحريرا زاهدا كاملا عابدا، أخذ العلوم عن العارف بالله الكامل الجهبذ الواصل سيدي مَحمد ( فتحا ) بن يحيى فلازمه وانتفع بعلمه وعمل به وأفاد غيره، وسيدي رحال دفين قرية تيزي وسيدي أبو إسحاق يعقوب المعروف بسيدي المزاري الذي يوجد قبره بمدينة معسكر وهو ابنه الأكبر وسميت عليه المقبرة ( أي مقبرة سيدي المزاري ) بمعسكر، وسيدي محمد الكبير الذي انتقل إلى جبل تاسالة وهو ابنه الثاني وقبره هناك مقصود للزيارة ولا أدري له عقب أو لا، وسيدي محمد الصغير الذي خلف والده سيدي مَحمد ( فتحا ) بن يحيى على الزاوية. وعن هذا الأخير تفرعت السلالة السليمانية بغريس. و مما تجدر الإشارة إليه أنه يصعب حصر جميع الطلبة الذين زاولوا دراستهم بزاوية الشيخ سيدي مَحمد ( فتحا ) بن يحيى.

أبناؤه الثلاثة بالتفصيل : خلف سيدي مَحمد ( فتحا ) بن يحيى عقبا صالحا منهم العلامة الحجة السالك الفقية المقرئ المجود أبو إسحاق سيدي يعقوب ( المدعو سيدي المزاري ) وقبره بمدينة معسكر معروف ولا عقب له. ومنهم سيدي محمد الكبير الذي انتقل إلى جبل تاسالة من وطن بني عامر وقبره هناك مقصود للزيارة ولا أدري له عقب أم لا، غير أن هناك من ينسب إليه، وبعض المنتسبين إليه انتقل إلى مدينة مستغانم وغيرها وعلم الغيب عند الله. ومنهم سيدي محمد الصغير وهو الجد الأعلى الذي خلفه والده على الزاوية إلى أن مات ودفن مع أبيه وخلف ولده أبا محمد سيدي عبد القادر، ولما توفي خلف ولدين : محمد العربي الذي تجتمع فيه أولاد سيدي عربية ومحمد الملقب بالنجادي وإليه انتهت رئاسة غريس على عهد دولة آل عثمان علما وعملا وجاها ورئاسة، وقبره من مُزَارات غريس بتربة جده الأعلى سيدي مَحمد ( فتحا ) بن يحيى.

توفي سيدي محمد النجادي سنة تسعين وألف هجرية (1090 هـ) وبعد وفاته انقسمت الرئاسة بين ولديه سيدي عبد القادر الملقب ببغداد وسيدي محمد المعروف بمرضعته فريحة، على عادة الأشراف في اتخاذ المربية لأولادهم وكثيرا ما ينسبونهم لمربيتهم في صغرهم فيبقى الاسم علما عليهم و منها تفرعت السلالة السليمانية بغريس والموجودة منهم لهذا العهد فروع.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://aouf.7olm.org
Admin
Admin
avatar

عدد الرسائل : 303
تاريخ التسجيل : 28/05/2007

مُساهمةموضوع: رد: معسكر رجال وتاريخ   13/4/2010, 17:09

سيدي محمد الأعرج

نسبه : محمد الأعرج بن عبد الله بن الحبيب بن محمد الأعرج بن محمد النجادي بن عبد القادر بن محمد بن مَحمد ( فتحا ) بن يحيى. وقد حضر لمبايعة الأمير عبد القادر. كما حضر لهذه المبايعة رجال غريس وعلمائها. فكان أول من مد يده فبايعه من هؤلاء السادات سيدي محمد الأعرج بن محمد بن فريحة من أولاد سيدي مَحمد ( فتحا ) بن يحيى مقرئ الجان. ذكى القريحة، فأتبعه الناس على ذلك وهم في فرح وسرور. ولما عقد والده البيعة بالتغريس، قال بعض علماء وأولياء بغريس، سبحان الله هذه البيعة لا يستقيم لصاحبها حال ولا يهنأ له قرار ومنال ولا شفقة له ولا رحمة في الأعيان وغيرهم من النساء والرجال لكون أول من بايعه اسمه الأعرج والمحل المبايع فيه اسمه الدردارة, فلا ريب أن أيامه وأحواله عرجاء ولا تستقيم وإنما تبقى مدردارة وهلا كان اسم ومحل غير هاذين من الأسماء التي يكون فيها التفاؤل ولا تدل على الريب والبين.

سيدي الأعرج يقول : " قلت وكأنه أخذ في فراسته من قضية المبايعة للإمام سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ورضي عنه الذي هو ليث الكتائب لأنه أول من بايعه سيدنا طلحة بن عبد الله أحد العشرة رضي الله عنه وعنهم فإنه من ذوي الفضل والجلال وكانت يده قد شلت "، فقال حبي بن ذئيب رضي الله عنه : " إنا لله وإنا إليه راجعون، أول من بدأ بالبيعة يد شلا، لا يتم هذا الأمر ". ولما سمع الأمير أسر هذا في نفسه وأضمر الفتك بمن سيظفر به من علماء وأولياء غريس، وقال صاحب جوهرة الرضى :

لذا انعقد الإجماع من آل راشد على بيعـة الإمام فهو بها أجـدر

فأول فالاصـاح بالبيعة التـي بدت سليل النجادي أعرجها الأبر

مؤلفات سيدي الأعرج.

إن العلامة الشهير والمؤرخ الكبير سيدي محمد بن الأعرج الغريسي قام بشرح منظومة سيدي عيسى بن موسى التجيني، وسمي رحمه الله هذا الشرح " تسهيل المطالب ". ويشمل هذا التأليف على تراجم الأعيان من أشراف غريس وعلمائها وأوليائها في القرن العاشر الهجري. وقد انتهى رحمه الله من كتابته يوم الجمعة 23 ربيع الثاني 1330 هجرية. ثم بعد ذلك بعث من فاس بعض النسخ من هذا الشرح إلى أبناء عمه بغريس وإلى بعض الشخصيات بالقطر الجزائري. وهكذا أهديت واحدة منها إلى فضيلة الأستاذ العالم الجليل المؤلف الكبير جلول البدوي أحد أشراف أولاد سيدي بن يخلف، ليتولى طبعها ونشرها بنفسه.

ومن خلال المخطوط ( أي الشرح ) تتجلى عناوين المؤلفات التي اعتمدها سيدي محمد بن الأعرج الغريسي في تحليل هذه المنظومة وعددها يبلغ إثنا عشرة ( 12 ) مرجعا، ومن جملة مؤلفاته رحمه الله ما يلي : " اللسان المعرب عن تهافت الأوربيين حول المغرب " ثم غير الأوربيين بالمعمرين واتخذ في النهاية لفظة الأجنبي فصار عنوان الكتاب في صورته النهائية " اللسان المعرب عن تهافت الأجنبي حول المغرب ".

وقد طبع مؤخرا هذا الكتاب بالرباط، والنسخة الوحيدة التي بلغتني هي بيدي المرحوم الشيخ المهدي البوعبدلي، ويشتمل هذا الكتاب على الموضوعات التالية : القسم الأول : المغرب الأقصى وعلاقاته بالأندلس ثم أسبانيا، القسم الثاني : أخبار المغرب الأوسط وأعمال أمرائها مع الأجانب إلى انتهاء مقاومة الأمير عبد القادر القسم الثالث : أخبار المغرب الأقصى وعلاقاته مع الأجانب فرنسا وأسبانيا وغيرهما، القسم الرابع : ما يتعين تعاطيه من المعارف العصرية وشرح الحرية والمدنية وذكر مسائل اقتصادية وتطبيق نظام اقتصادي وتنظيم التعليم على مستوى مراحله والوفاق بين الفلسفة الحديثة وبين العقيدة الصحيحة.

أما الكتاب الثاني في التاريخ فهو أوسع مادة وعنوانه كالتالي : " زبدة التاريخ وزهرة الشماريخ "، وهو عبارة عن موسوعة تاريخية تتضمن في أجزائها الأربعة، تاريخ ما يمكن أن يعبر عنه بتاريخ العالم الإسلامي الغربي في مختلف أطواره، وتشتمل رقعته على الأقطار الآتية منذ الفينيقيين، الرومان، الوندال والعرب، والأتراك وغيرهم : أسبانيا، جنوب فرنسا، المغرب الأقصى، الجزر الخالدات، المغرب الأوسط، المغرب الأدني ( تونس، ليبيا )، مصر، صقلية، وأهم جزر البحر الأبيض المتوسط. كما ترك رحمه الله ديوان شعر في مواضع شتى : الإجتماع، السياسة، الأحداث التاريخية وبالأخص الجزائر، الأخلاق المناسبات. وقد قررت وزارة التربية المغربية منذ 1967 في برنامج التعليم الثانوي بالمغرب دراسة بعض المقطوعات من شعره وبعض المختارات من نثره.

والعلامة سيدي محمد بن الأعرج السليماني هو من سلالة سيدي مَحمد بن يحيى وهجر أبوه إلى المغرب مع الذين هاجروا إثر دخول المعمرين للجزائر. وكان قيد حياته يتردد إلى الجزائر وخصوصا إلى تلمسان ومعسكر بالضبط سيدي قادة، حيث كان يجتمع بنادي أحباب الكتاب بأعيان البلاد، وطنيين ومصلحين كالأمير خالد الذي كان ينزل ضيفا عند السيد البشير الطاهر ولد أحسن بن علي. وعند انتهاء الحرب العالمية الأولى، كانت تربطه رحمه الله صداقة متينة بالوطنيين الكبيرين، الأمير خالد ابن الأمير الهاشمي والأمير عبد المالك ابن الأمير عبد القادر رحمهم الله جميعا، وكانوا العناصر الثلاثة يتحركون كثيرا من أجل إشعال نار الحرب ضد فرنسا. وقد توفي رحمه الله في فاس عام 1925 م.

سيدي البشير

ومنهم سيدي البشير بن يحيى من ذرية الشريف الحسني القطب الأكمل مقرئ الجان على الإطلاق، سيدي مَحمد بن يحيى المغراوي دفين وادي فروحة بالإتفاق الذي نص على شرفه الحافظ أبوراس الناصري، في تأليفه " عجائب الأسفار " وكذا صاحب " جواهر الأسرار " و " أثمد الأبصار " وغيرهم من ذوي الأسرار. وكان سيدي البشير وقبره مشهور ومقصود للزيارة وعليه قبة وعنده مقبرة منتمية إليه بالإشارة.

قد عاش سيدي البشير بن يحيى أوائل القرن الثالث عشر الهجري يوافقه أواخر القرن الثامن عشر الميلادي. والشيخ البشير هذا ما يزال قبره وضريحه قائمين حتى اليوم في حي الهضبة من مدينة وهران بجوار ثانوية ابن باديس في ذلك الوقت, وخَلْفَ متوسطة ابن خلدون، وقرب مكتبة البلدية والمتحف البلدي وحي المدينة الجديدة. أما المقبرة فقد أزالها الفرنسيون ضمن ما أزالوا في إطار توسيع المدينة وأقاموا حيا كبيرا، يدعى بحي الهضبة.

وقد توفي رحمه الله الشيخ البشير في أوائل القرن الثالث عشر للهجرة ( أواخر القرن 18 م ). ولابد من التفريق بينه وبين عالم آخر بنفس الإسم دفن شرق قرية بير الجير، شرق وهران على بعد حوالي عشرة كيلومترات وأقيمت حول ضريحه قرية تحمل اسمه ويزوره العنصر النسوي بكثرة.

لقد نظم عبد الرحمن بن أحمد التيجاني رجزا شرحه الشيخ أبي راس الناصري وترجمه إلى الفرنسية السيد ل. قان (L. ونشر في المجلة الإفريقية عام 1891 م.

ما يقوله العلماء عن أوصافه العلمية :

إنه الفقيه العارف بالله الناسك المحقق المتصوف الورع، كان عالما نحريرا نحويا، أصوليا، منطقيا، صاحب قلم، يفهم المسائل ويحقق المباحث فله ذهن ثاقب وفكر متين، طلق اللسان فصيح الكلام، يخرج الحروف من مخارجها ذا خط حسن ورونق وبهاء، فمذاكرته معظمها في التوحيد، ذا عقل جيد وفكر رصين، محبا للطلبة، ملازما للقراء والمطالعة معهم، مجدا ومجتهدا لا يعرف هزلا، فكان مجالسا مؤانسا، فنعم الجليس ونعم الأنيس، فكثيرا ما يستخلفه شيخه للصلاة، ويكلفه بالخطب ولقد اختير من بين الطلبة، وذلك لما نظر فيه شيخه المعرفة والإدراك، ولما عاد إلى مسقط رأسه بالراشدية، كانت له شهرة عظيمة وبها انتشر علمه وأقبلت إليه الطلبة، وانتفعوا به، وكثر بحثه وحصلت له مشاركة عظيمة في التوحيد، وله سند متين في قراءة العقائد. هذا مما يبين لنا بأن للمرحوم ملكة عظيمة ومعرفة تامة بعلم القراءات وكان رحمه الله من جملة الحفاظ تقصده وتثني عليه.

وكان في مجلس تدريسه متواتر الكلام، كأن ما ينفصل منه درر منظومة ولا يفصل بين اللفظين و لا يتروى إلا قليلا، كل ذلك دليل على كثرة حفظه وعلو شأنه في بسط العبارة. وكان معتنيا بالنظر ليلا ونهارا في غير أوان التدريس، وأخبرني بعض تلامذته أنه كان يبيت مكبا على المطالعة، حيث لا تراه إلا مطالعا لدروسه قصد التحضير لإلقائها، وقد انتفع به خلق كثير لقرب عبارته، ووسع صدره، فلا تجد المبتدئ يقرأ إلا إليه لبساطة كلامه، وحسن نيته وكثرة توفيره وحلو الفاكهة، والمحادثة منبسطا يداعب الصغار والكبار، ملازما للذكر، كثير التلاوة، لم يقطع التدريس ولو بالسماع.

والله أعلم بحقيقة الأمر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

ما يقولون عن سيدي مَحمد بن يحيى المغراوي التلمساني ثم الراشدي دارا رحمه الله تعالى ورضي عنه، دخل تلمسان هو ومحمد بن يحيى المديوني وعمر العطافي وأخذوا عن السنوسي. وهم الذين أوصلوا التوحيد لبني راشد.

مَحمد بن يحيى السيد الفقيه العارف بالله الناسك المحقق المتطوع الورع ذو الكرامات العلية والأحوال المرضية. أما علومه الظاهرة فله فيها أوفر نصيب وجمع من فروعها وأصولها السهم والتعصيب، لا يتحدث في علم إلا ظن سامعه أنه لا يحسن غيره لاسيما علم التوحيد، أخذ عن الشيخ الإمام السنوسي المنقول والمعقول، شاكرا غيره في العلوم الظاهرة، وانفرد بالعلوم الباطنة بل زاد على الفقهاء بمعرفة حل المشكلات لاسيما في التوحيد لا يقرئ علم الظاهر إلا خرج منه لعلوم الآخرة. لاسيما التفسير والحديث لكثرة مراقبته وخوفه لله تعالى كأنه يشاهد الآخرة بين يديه، وسمعته يقول : سمعت شيخنا الإمام السنوسي يقول : " ليس علم من علوم الظاهر يورث معرفته تعالى ومراقبته إلا علم التوحيد وبه يفتح له في فهم العلوم كلها وعلى قدر معرفته به يزداد خوفه منه تعالى وقربه منه، انتهى ". أخذ عن الشيخ الإمام أبي عبد الله محمد بن يوسف السنوسي، التوحيد والفقه والأصول والبيان والمنطق والحساب والفرائض والنحو، وله شرح جليل على أرجوزة أبي زيد عبد الرحمان السنوسي.

وقد كان عبد الله ابن أبي حمزة رضي الله عنه يقول : " لولا أن النبي قال : " لا تزال طائفة من أمتي يعني هذه الأمة قائمة على أمر الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله، لَيَئِس الإنسان في هذا الزمان من أن يجد أحداً منهم لكن الحديث يرد هذا الإنسان أو كما قال، لكنهم في القلة بحيث لا يعرفون قلت، ومراده صلى الله عليه وسلم ما أخبر به في قوله ? B ?. إن لله في كل قرن خمسمائة من الأخيار، وأربعين من البدلاء لا يزالون إلى يوم القيامة و لا ينقصون، فإذا مات من الأبدال واحد، بدل الله على صفته واحد ا من الخمسمائة بهم يرفع إليه العذاب عن الناس وبهم يرحمون، وبهم يمطرون فقالوا دلنا على أعمالهم يا رسول الله فقال لهم يعفون عمن ظلمهم، ويحسنون لمن أساء إليهم، ويتواسون فيما رزقهم الله أو ما قاله ذو النون المصري، النقباء والنجباء والبدلاء والأخيار والعمد والغوث ويقال القطب يسمى بهذا أو بهذا لا يزالون إلى يوم القيامة. فالنقباء خمسمائة بالمغرب، والنجباء سبعون بمصر، والبدلاء أربعون بالشام، والأخيار سبعة ولا قرار لهم بل يجولون في الأرض. قال سيدي مَحمد بن يحيى : " التقيت مرة مع واحد منهم فسألتهم عن عددهم وعن كبيرهم حينئذ، فقال سبعة وكبيرهم سيدي عيسى الأقرع، ثم رأيتهم بعد ذلك في مصلى العيد، أعني عيد الفطر، والإمام يخطب، فلما فرغ الإمام من خطبته قام السبعة فتبعتهم وسلمت عليهم فدعوتهم إلى داري، فأكلوا من طعامي ما قسم الله لهم فخرجوا فتبعتهم، فلما انفصلوا عن قريتنا استودعوني واستودعتهم فمشوا بين يدي خطوتين أو ثلاثا فغابوا عني ولم أرهم " وأما العمد فأربعة على زوايا الأرض كل واحد على ركنه، وأما القطب فواحد بمكة وهو الغوث، فإذا مات الغوث جعل مكانه واحد من العمد الأربعة ومكان ذلك الرابع واحد من الأخيار السبعة، ومكان ذلك السابع واحد من البدلاء الأربعين، ومكان ذلك واحد من الذين هم بالشام، ومكان ذلك واحد من النجباء السبعين الذين هم بمصر، ومكان ذلك واحد من النقباء الخمسمائة الذين هم بالمغرب ومكان ذلك واحد من سائر الخلق أو ما روي عن ابن مسعود أنه قال : " لله من عباده المسلمين في كل قرن ثلاثمائة، قلوبهم على قلب آدم عليه السلام، وأربعون قلوبهم على قلب موسى عليه السلام، وسبعة قلوبهم على قلب إبراهيم عليه السلام، وخمسة قلوبهم على قلب جبريل عليه السلام، وواحد قلبه على قلب إسرافيل عليه السلام لا يزالون إلى يوم القيامة. فإذا مات الواحد بدل الله مكانة ممن قلبه في الكثرة، وقس على هذا، وإذا مات واحد من الثلاثمائة بدل الله مكانه من سائر العامة فبهم يمطر وبهم يُحْيِى وبهم يُمِيت الناس، قيل لابن مسعود كيف يُحْيِى وبهم يُمِيت فقال إذا دَعوا الله على الجبابرة هلكوا، وإذا دعوا الله على تكثير الأمة كثروا، ويحتمل بالطائفة المجموع إذ لا يكونون إلا علماء والله أعلم بما أراد به أو كما قاله سيد أبو محمد عبد الله ابن أبي جمرة، لكنهم في القلة بحيث لا يعرفون مجموع ما ذكرناه بالنسبة إلى غيرهم فطوبى لمن عرف أحوالهم أو عرف واحدا منهم ورآه بعين التعظيم فهم القوم لا يشقى جليسهم. نسأل الله أن يرحمنا ببركاتهم بمنه وكرمه آمين انتهى.( )

فقد قال شيخنا سيدي محمد بن يوسف السنوسي نفعنا الله به هذا ما قاله هؤلاء الأئمة الأعلام في أزمنتهم الفاضلة الزاهرة بوجودهم ووجود أمثالهم من سادات وعلماء كرام، فكيف لو رأوا زماننا هذا آخر القرن التاسع والله سبحانه المستعان وما عسى أن يصف الواصف من شرور هذا الوقت وشرور أهله، وقد أغنى فيه عن الخبر العيان والواجب فيه قطعا لمن أراد النجاة بعد تحصيله ما يلزم من العلم أن يعتزل الناس جملة ويكون جليس بيته ويبكي على نفسه ويدعو دعاء الغريق لعل الله سبحانه يخرق له العادة بفصله أو بتخليصه من هذه الفتن المتراكمة في نفسه ودينه إلى أن يرتحل عن هذه الدار بموته انتهى.

ولم أقف على وفاته وكان من أكابر العلماء والأولياء يقرئ الجان رضي الله عنه. وله مكاشفات ذكر أنه وقف على مدشر نبش الذئب، فقال لهم يأخذها النصارى هنا، النصارى يحبسون المسلمين رحمه الله تعالى انتهى.

تأليفه : له تآليف قيمة ومن القالب الكبير، منها في العلوم الظاهرة جمع فروعها وأصولها التفسير والحديث والتوحيد. ومن بين هذه التآليف ما يلي : له شرح على أرجوزة أبي زيد عبد الرحمن السنوسي، له في الشعر ديوان و له في الأدعية ( الأذكار ). هذا ما سمعناه وما شهدناه في كتب الباحثين التي تشير إلى هذه التآليف، لكن مضمونها يبقى ينتظر من يخرجه من الظلمات إلى النور.

وفاته : مات سيدي مَحمد ( فتحا ) بن يحيى ناشرا علم التوحيد على مستوى منطقة الراشدية، مات بين أحضان أبنائه وأبناء منطقته. فجلهم حملة القرآن الكريم، فتألم الأهل والخلان لألمه، وذرفت عيناهم لما اعتراهم من سقمه، وحضر جنازته جم غفير من العلماء والأشراف منهم القريب والبعيد، وصلى عليه أحد من أبنائه، الأديب الأريب، الفقيه الماهر سيدي محمد الصغير الذي خلفه على تسيير شؤون الزاوية والأشراف عليها. وكسر العامة أعواد نعشه، وقطعوا الحصيرة التي كان عليها تبركا، فهذا المشهد لا يكون إلا لأمثاله، وقبره مرجوعا إليه في النوازل والأحكام. وتشهد له الرجال، وتقصد زيارته عظماء الرجال، وبنيت له قبة و بيوت لازال آثارها إلى يومنا هذا. توفي سيدي مَحمد ( فتحا ) بن يحيى سنة 920 هجرية أي عشرين وتسعمائة هجرية رحمه الله ونفعنا ببركاته آمين.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة و السلام على أشرف الأنبياء و المرسلين سيدنا و مولانا محمد المبعوث رحمة العالمين و على أله و صحبه و أهل بيته أجمعين.

و بعد : فقد أخرج الترمذي في سننه بسند عن زيد بن أرقم قال قال رسول الله " إني تارك فيكم ما أن تمسكتم به لن تضلوا بعدى أحدهما أعظم من الآخر. كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي و لن يفترقا حتى يردا على الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما، و هم أصحاب الكساء الذين أذهب الله عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا، أوهم من حرمت عليهم الزكاة. فأنزل الله عز وجل ? إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهركم تطهيرا ? و يقول الأمام الشافعي رحمه الله و نفعنا ببركاته آمين.

يا أهل بيت رسول الله حبكم فـض من الله في القـآن أنزله

يكفيكم من عظيم المجد أنكم من لم يصل عليكم لا صلاة له

ثم إن الناظم رحمه الله لم يذكر في منظومته إلا من عاصره من الأولياء الواصلين و العلماء و الصلحاء الكاملين أو من قارب عصره منهم. أما بالنسبة للمؤرخين و الباحثين في التراث فيقولون ما يلى : " سيدي أحمد بن يوسف الراشدي هو صاحب الكرمات الشهيرة و رجل السياسة ".

وقد كتب عليه تلميذه محمد بن على القلعي الذي كان قاضيا بقلعة هوارة التي تدعى اليوم قلعة بنى راشد و قد عاصر سيدي أحمد بن يوسف و عرفه شخصيا و ألف له بعد وفاته.( 1 )

كما له مخطوطة ثانية نسخت بمليانة عام 1246 هـ- 1830 م وهذا المخطوط مملوء بأعلام رجال غريس بعضهم من العصور الماضية التي توالت على الراشدية و بعضهم معاصرون للمؤلف ومن هؤلاء، طبعا فقراء سيدي أحمد بن يوسف، و معظم المصادر في ذلك العهد استغلت للتعريف بسيدي بن يوسف الراشدي و معظم رجال غريس و قد تصفحتها و قرأتها و فهمتها و عرفت محتواها واطلعت مضمونها.

سيدي أحمد بن يوسف

نسبه : هو أبو العباس أحمد بن عبد الجليل بن يمداس بن منصور بن على بن مناصر بن عيسى بن عبد الرحمن المدعو تدغير بن يعلى، بن إسحاق بن أحمد بن محمد بن إدريس الأصغر بن إدريس الأكبر بن عبد الله الكامل بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي كرم الله وجهه و فاطمة بنت رسول الله

ملاحظة : اسم أبيه محمد فلماذا لا يدعى هو إلا أحمد بن يوسف ؟ و للجواب على هذا رويت أقصوصتين.

قيل أنه من يوم ولادته كلفه رجل اسمه محمد و رباه بلبن بقرة و عامله كما لو كان من صلبه. و قيل أنه ابن رجل اسمه منصور الملقب بوكركور في بلاد قورارة و قبره في تأبلكوزة يزوره الآن العطاونة أهل الساورة، و يقال إن منصور هذا كان يوم ولادته الطفل طاعنا في السن بحيث كان موضوع المزاح ممن حوله وللرد على ذلك رمي بالصبي على أعين الملأ في كانون فكانت الكرامة بأن احترقت اللفائف و نجا الصبي، ثم أن الشيخ منصور ربى به ثانية في الهواء فكانت الكرامة الثانية بأن سقط الصبي بعيدا في الشمال بمنزل يوسف الراشدي المذكور الذي رباه كما سبق غيره. غير أن هذه الأقاصيص و ما فيها من خلاف و تلاعب لم تذكر في المصادر و إنما راجت بالرواية الشفاهية رحم الله من جاءنا بكلمة طيبة عن الصالح و لو كانت شفاهية.

و الغالب أنه ما سمي أحمد بن يوسف إلا باسم جده يوسف بن عبد الجليل الذي كانت شخصيته أقوى من شخصية الأفراد المذكورين في الشجرة. أما اسم والدته فهي أمينة بنت يحي بن أحمد بن على الغريسى صاحب الكرمات الشهيرة إلى الآن و ضريحه قرب معسكر مازال الناس يزورونه و له كثير الحفدة، له خمس نسبات : الدامودي المريني الهواري، الراشدي و الملياني. الهواري إنه قضى الجزء الأكبر من حياته ببلاد هوارة الشاملة لمدينة قلعة بني راشد حاليا والراشدي أنه قضى الجزء الأول ما قبل الأخير من حياته ببني راشد و هم فرع من أصحاب القلعة، أما الملياني فإنه بمليانة.

ولد أحمد بن يوسف بتابلكوزة سنة 836 هـ وكان عمره 21 سنة. توفي يوم الأربعاء و دفن يوم الخميس 10 من شهر رمضان سنة 934 هـ الموافق 1527 م. بمقبرة براز الواقعة غرب الدفلة 16 كلم. تزوج بأربع نساء، السيدة ستي المشرفية، كليلة بنت سيدي محمد الدراجي، عائشة بنت قادة بن مرزوقة و خديجة بنت محمد المريني، و كان له من البنين أربعة أولاد ومن البنات إثنتان. محمد بن مرزوقة وأملا عائشة و سمي باسم جده من أمه، محمد الصغير الملقب أمزيان و أمه ستي، أحمد العنتري، محمد الكبير دفين مصر وأما بناته فهما، أمينة و هي شقيقة أمزيان، عائشة و المقيمة ببجاية.

من تراثه الفكري : كانت له زاوية بقلعة بني راشد و انتقل بعد وفاة أبيه من راس الماء إلى القلعة و أسس بها زاويته و هذه الزاوية محل ديني و هي أيضا مركز اعتزال و حركة صوفية لنشر التصوف بين العوام. وأن التعليم بها كان مقصورا فعلا على تربية دينية و على التدريب في الزهد و على إصلاح الإنسان لأن بإصلاحه يتحقق إصلاح المجتمع.

يقول أحمد بن يوسف ( زاويتنا كسفينة نوح من دخلها أمن من الخوف ) و يقول ( ماد خل في قبتها إلا شفي من علته و لا ملهوف إلا أغيث في لهفته، و لا مكروب إلا فرج الله كربته ولا حزين إلا وجد بها راحة بال ).

وعدد تلاميذه يصعب عددهم فنكتفي بذكر أسماء بعضهم اختيار للبارزين منهم : محمد بن أحمد بن علي بن عبد الرحمان أبو عبد الله أمحمد بن أحمد الزهار، عبد الحق بن علي المطهري أمحمد بن عبد الجبار الفجيجي، أبو الحسن علي بن عبد الله، محمد بن سعيد القلعي. و خلاصة القول هو العارف العالم المحصل المقرئ بالقراءات السبعة المحقق الحجة. ومنهم الذي ظهر بعده بوطن غريس من ذكرهم من رجال الكمال خصوصا منهم من ثبت رحمهم الله نسبهم الفاطمي بلا خلاف و ثبت منهم هنا بعض من ذكره بعض العلماء في تأليفهم " منهاج الشرفاء "، " الجوهرة الكبرى "، " الأزهار "، " الفتح " وتآليف أخرى لا تقل أهمية.

يقولون فمن ثبت له في هذا الأمر نسبه و صفى له مشربه الولي الكامل العالم أبو محمد عبد الله بن عبد الرزاق جمعنا الله معه في رحمته يوم التلاق، أخذ العلم عن الأمام بن غازي محشي المختصر وغيره من العلماء الفاسيين رضي الله عنهم و جعلنا بفضله منهم و أخذ عنه العلم كثيرون و نفعهم الله به لهم منه إجازات و كان رحمه الله ممن أتحفه الله بشرف العلم و النسب و الدين المتين والحسب. ظهرت على يده كرامات و خوارق و عادات إلى أخر ما قال وقد تقدمت الإشارة إليه نفعنا الله به. قال الحمد لله و سلام على عباده الذين اصطفى حمدا لله و صلاة و سلاما على نبيه الكريم الذي أعطى لبيته جوامع الكلم و قرب لهم الفصاحة و البلاغة فكان لهم منها الحظ الأوفى و النصيب الأكمل، قال في ذلك جماعة من المؤلفين ما يطول ذكره من ذلك.

سيدي أحمد المختار

لقد عوض والده ( المختار ) حيث سار سيرة أبيه في طلب العلم فحصل له منه حظا وافرا و تصدى للقراءة. ومنها أختار المسجد و الخلوة بقرية بابا علي من مدينة معسكر.

نسبه : هو أحمد بن المختار بن عبد القادر بن أحمد بن عبد القوي الثالث بن علي بن أحمد بن عبد القوي الثاني بن خالد بن يوسف بن أحمد بن بشار بن محمد بن مسعود بن طاوس بن يعقوب بن عبد القوي الأول بن أحمد بن محمد بن إدريس بن إدريس بن عبد الله الكامل بن الحسن المثنى بن الحسن السبط ابن علي كرم الله وجهه و أمه فاطمة بنت محمد رسول الله لقد أنجب سيدي أحمد بن المختار نسلا طاهرا و عددهم أربعة ذكور هم على التوالي، سيدي عبد الرحمن، سيدي عبد القادر سيدي بن علي و سيدي محمد. هؤلاء الذكور كلهم علماء و لا يستثنى واحد منهم و قد برز من بين هؤلاء الأولاد الأربعة :

سيدي قادة بن أحمد بن المختار

هو سيدي عبد القادر المعروف باسم سيدي قادة، الشهير الذكر أنتقل من قرية بابا علي هو و إخوته إلى الجبل المعروف حاليا متحليا بالسكينة و الوقار والنزاهة والعفة مصاحبا الطهارة و الصون بعيدا عن ضد ذلك من لون الكون فجمع بين رئاسة الشرق و الغرب و حاز على الإجازة الكبرى من بين معاصريه و اختص بالمشيخة الكبرى عن مقارنيه.

مولده : لا نعرف بالضبط متى ولد عبد القادر لكننا نعرف أنه ولد في بابا علي و عاش 98 سنة و قد سكن سيدي أحمد بن المختار دشرة بابا علي بأم العساكر و اتخد فيها خلوة لعبادة الله.

رحلته إلى الجبل الذي هو مدفون به اليوم : إنتقل سيدي أحمد بن المختار بأبنائه و عائلته من قرية بابا علي تاركا خلوته و مقامه. لقد اختار سيدي أحمد بن المختار الجبل الذي هو مدفون به حاليا رضي الله عنه و أرضاه وجعل دار السلام مأواه، إنها داره الدائمة لا تنقطع ولا يلقى ساكنها شيئا يكرهه، لقد تم اختيار هذا المكان و المطل على سهل غريس المملوء بالصلحاء الذين يصعب حصرهم في هذا العدد.

لقد حفظ القرآن و هو في سن صغير فأخذ الفقه و التوحيد و النحو و الحساب من والديه. لقد خرج سيدي قادة من بين إخوته الأربعة شهيرا لامعا يقتدى به.

سفره إلى تلمسان : لقد تاقت نفسه للعلوم الدقيقة فسافر إلى مدينة تلمسان فقرأ فيها مختصر السعد وجمع الجوامع و ألف في كل فن وأجيز و هذه الدراسة تابعها في مسجد الزيانيين. و في هذه الفترة بالذات مات لسيدي قادة والده المغفور له الشيخ أحمد ابن المختار فضاق به الأمر و هو لا يزال يطلب العلم فلما رآه أخوه على حاله فتأسف عليه و تكلف عنه بمصاريف الدراسة سيدي عبد الرحمن. لكن لا حول و لا قوة إلا بالله العلى العظيم، قال تعالى في شأن أهل السفر للعلم ? فلما جاوزا قال لفتاه أتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا ? فتحسس سيدي قادة و زاده هذا السفر حفظا و فهما في دراسته و قد طار صيته في بلدة تلمسان و بالأخص في مسجد الزيانيين الذي هو مكتظ دائما بالمسافرين، فقد كان لسيدي قادة فرصة للمطالعة و التأليف و كانت له مشاركة في تقديم العروض.

لقد أجمع الناس بعد عودته من مدينة تلمسان على فضله وأطبق الجميع على مشيخته و سيادته و أجلسته الملوك من آل عثمان على فراشها و خدمته الجن شمهروها و فرح به الخاص والعام بعد غيابه الطويل انقلبت منطقة غريس بغربها إلى شرقها للقائه، و هذا لسماع دروسه. فاختص سيدي قادة بتلقين الورد، كما درست زاويته جميع الزوايا يومئذ في ذلك الوقت.

و بهذا القطر جمع بين رئاسة الشرق والغرب حيث كان رئيسا عليهم، و اختص بالمشيخة الكبرى عن مقارنيه فكل رئيس بالنسبة إلى غيره مرؤوس إليه. و قد كتبت هذه الترجمة في بيان سلسلته في طريقة القادرية. لقد كان بمجلس سيدي قادة أثار علمية يصعب على الكاتب وصفها إنه الشيخ الكامل، فريد عصره وإمام وقته إنه أستاذ جليل صوفي أبا المعالي الشريف الحسني العالم الحافظ قدوة شيخ الطريقة و إمام أهل الحقيقة، لقد غشيت الوفود بابه وعرف الخاصة والعامة أصحابه وأنسابه جاؤوه من كل حدب و صوب لأنهم عرفوا هذه الزاوية بأنها ربوة ذات قرار ومعين.

وله رحمه الله جماعة من الطلبة أبرزهم ما يلي : سيدي علي أمحمد والد سيدي بن يخلف، سيدي عبد الرحمن المدعو سيدي دحو بن زرفة، سيدي أمحمد بن علي، سيدي سعيد قدورة، أبو الحسن بن محمد، و يعبرون عنه تلامذته في مدوناتهم قائلين عنه ( أنه من ذوى الرتب العالية وحاله شاهد عليه ).

من تراثه الفكري : ألف سيدي قادة فنونا عديدة منها ترجمته الكاملة التي يعتمدون عليها الباحثون على ما في حاشيته التي وضعها على الصغرى للشيخ الكامل أبي التمام، وله رسائل خطية تتضمن الطريقة القادرية.

ما يقولون عنه : " ومن أعيان أشراف غريس سيدي عبد القادر ابن أحمد بن المختار و نسب هذه القبيلة يتصل بمولانا إدريس رضي الله عنه و قد خرج سلفهم الأول في فتنه موسى ابن العافية حسب ما ورد في حديث أبنائه ".

لقد استقر سيدي قادة بجبله المعروف بالتحلية و التعظيم إلى أن توفى سنة 1043 هـ. و بقى عقبه بها ملحوظا بعين الرضا مقرون الاسم بالمشيخة و السيادة وهو يعتبر من أحد الرجال المقيدين لزواياهم.

انه يعتبر من الأئمة الراسخين و العلماء العاملين، أسندت إليه رئاسة غريس شرقا و غربا جنوبا وشمالا، و لم تسند إلى غيره فهذا فضل من الله و عطاء منه، و الناظم رحمه الله في منظومته من الرجال المستوطنين ببساطة غريس، و قد سمي غريسا لأنه مغروسا بأنواع الشجر ذوات الثمار و كان سكانه من بني زروال و من بني توجين و مغراوة القاطنين في القرى المختارة، والتي تزيد على مائة ولما كان الفتح الإسلامي و دخل المسلمون إفريقيا عمدت الكاهنة لإحراق الأشجار و هدم الديار، ليقف تيار العرب المسلمين عن التوغل في البلاد.

لقد أنجب سيدي قادة سبعةأولاد : سيدي عبد الرحمان بوناب، سيدي محمد، سيدي المختار، سيدي موسى، سيدي حنيفي، سيدي العوني و سيدي يحي.

لما اشتملت عليه الأوصاف الحميدة التي تجعل النفوس الآبية خاضعة لها و منقادة له، لقد أحسن الرئاسة شرقا وغربا، جنوبا و شمالا كلهم تحت رعيته مقتفيا أثار أسلافه السادة الأدارسة الذين كانوا ملوكا في المغرب الأقصى والأوسط و الأندلس هؤلاء السادة الذين شاع خبرهم في مدينة فاس فسمع بهم موسى ابن العافية فبعث لهم قائدا من القيادة حيث قبض محمدا فقتله بالغدر و الخديعة و هذا محمد و هو أخ لعبد القوي. خلف ولدا واحدا من عشرين فخرجته جارية في كمها اسمها حمامة فقالوا لها العمال ما عندك يا جارية، فقالت ما عندي إلا خبزا و برقوقا أحيي به النفس، ثم انتقلت به إلى بطيوة مجاورا جبل الحديد، فسيدي قادة قد تقيد بخطوات أسلافه فتمكن حبه في قلوب أهله و ذويه حيث بذلوا نفوسهم في طاعته و الاستماع إلى دروسه. لقد وصفوه العلماء بأنه أكبر دليل على وقور كرمه و كان يعظم أهل العلم إنه أحسن المسامرة، إنه لطيف معاشرة الأهالي بغريس ،كلهم يهتفون به إنه لا يرد سائلا و لا يخيب قاصدا كانت زاويته مقصودة للبعيد و القريب إنهم وجدوا الإحسان.

إنه كان من أصحاب الزهد لقد لبس الخرقة، إنه يتذكر دائما خلوة والده أحمد ابن المختار الموجودة بقرية بابا علي ( دشرة معسكر) ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. له تراجم عديدة في المصادر التالية أذكر منها، " القول الأعم " للشيخ الطيب ابن المختار، " فتح الرحمان " للمؤلف التجيني، له في " الجوهرة الكبرى "، له وصف في تأليف " فتح الرحمان ".

توفي سيدي قادة سنة 1043 هـ و قد تم بناء ضريحه يوم 25/08/1913 مع العلم أنه تم إعادة ترميمه يوم 13/07/1997 م

الشيخ الطيب بن المختار

الحمد لله الذي أمتن علينا بقبس من نور هدايته و كلأنا بنظرة من عين ولايته و حبانا بفيض من سابغ رحمته، فجعل لنا من عباده الصالحين منارات يهتدي به و مصابيح يستضيء بها السراة في الليل البهيم ورحمة يستوكفها المجتبون إلى ربهم. إن شخصية هذا العالم الجليل قاضي القضاة الشيخ الطيب بن المختار عليه رحمة الله و رضوانه و الذي اجتمعت فيه الخصال الحميدة و الأخلاق الرفيعة و إني أقتطف هذه الترجمة من تأليفه الذي هو عبارة عن رسالة ذكر فيها حياته العلمية كما ذكر فيها الأسرة التي ينتمي إليها مع ذكر عمود نسبه.

هو الشيخ الطيب بن المختار بن الطاهر بن البشير بن محمد بن عبد القادر ( المدعو سيدي قادة ) بن أحمد بن المختار. ولد يوم 11 من شهر صفر 1212هـ بسيدي قادة و بالضبط بزاوية جده سيدي الطاهر بن البشير. و لم يكد والده يأنس فيه القدوة على الحفظ و الإستيعان حتى أخذ يلقنه قصار السور من القرآن الكريم ثم أدخله كتاب القرية و كأن في الكتاب يحفظ القرآن و يتابع دروس اللغة و الفقه، و بالفعل لقد حفظ المتون و أتقنها و هو لا يزال صغيرا و كان رحمه الله يعد من راود الفكر، فكانت مواهبه الفطرية و مخائل نجابته تحدد له مستقبلا و ضيئا و غدا مشرقا مما جعل والده يتابعه بجدية و اهتمام و يراعيه بعناية زائدة.

لقد انتقل المرحوم من زاوية جده الطاهر بن البشير إلي مكان آخر يدعى اللوزات و هذا المكان يعتبر معهدا علميا يدرس فيه الفقه و التفسير و الحديث و النحو على يد علماء أجلاء يدعون في ذلك العهد عائلة ( شايب أذراع ) و هذه العائلة كان لها ثراء كبير بمدينة معسكر مع سعة المال و كثرة العقار واتساع الحرث و الحيوان والجمع بين رئاسة الدنيا و رئاسة الآخرة فشيد القصور بالبادية و آثار بنائها بوادي اللوزات قرب روضة والده.

في سنة 1228 هـ لم يعمر والده طويلا حتى انتقل إلى جوار ربه فتولت أخته لالة ملوكة العناية به إلى جانب الأم وما ورثتاه عن أبيها من حب العلم و ما أدركتاه فيه من رغبته الشديدة في تنشئته نشأة علمية أرسلتاه إلى زاوية ابن عمه مصطفى بن المختار الذي كان من العلماء في هذه الزاوية، و كان يلقب بالكبريت الأحمر فانكب الشيخ بن المختار على الدراسة العليا في الفنون المعروفة في ذلك العهد، كما كان له في السابق محصول وافر في اللغة و النحو والبلاغة و الفقه والتوحيد، و أصبح الوالد بين أقرانه كالغصن الذي يطول و الزهرة التي تعد, و شهدت له مشايخ عصره بالتضلع في العلم كالشيخ المشرفي و الشيخ حسن بن علي و الشيخ محمد الشرقي كما وصفه العالم المبرز الشيخ محمد بن حواء بن يخلف والذي سماه ( العارف الكبير ) و عدد كبير من المشايخ المتواجدين في عصره كالشيخ الطاهر المشرفي ومصطفى التهامي والثعالبي بوناب، ولشدة شغفه بالعام وتعطشه إلى المزيد منه حتى نادته مدينة الزيانيين.

وفي سنة 1232 هـ سافر المرحوم إلى مدينة تلمسان، ليستفيد ويفيد مما ابتغاه من العلوم الدقيقة فقرأ الفقه وعلم الميزان فحصل الكثير من المعرفة الشيء الذي أهله إلى أن يصبح قاضيا، وقد كان هذا المعهد عامرا بالطلبة مزدهرا بالعلم والمعرفة، يضاف إلى ذلك أن الشيخ الطيب بن المختار وجد في هذا المعهد أحد أفراد عائلته منهم الشيخ عبد القادر شايب أذراع الذي كان زميلا لوالده وقد زاده ذلك رغبة في الانتساب في هذا المعهد. وهذا مما جعل الشيخ الطيب بن المختار يتخذ شايب أذراع شيخا وقدوة له ويأخذ نفسه بما يستطيعه من أخلاقه وماسكن فيه من خصائص ومزايا، وقد أخذ عنه الفقه والأصول والتوحيد كما أخذ عنه الطريقة القادرية التي أخذها هو بدوره من والده. وفي هذا المعهد أخذ الإجازة وهذا مقتطف من مضمونها " أما بعد فليعلم الواقف على كتابنا هذا من المؤمنين بالله ورسوله إننا اجزنا حامله الشيخ الطيب بن المختار في كل ما فتح الله على أيدينا من فقه ولغة وطريقة بل وجميع ما يؤذن فيه شرعا في حياته، وليكن هذا بعد موت أحد المشايخ ومن خالفه فقد خالف نفسه والله المسؤول أن ينفع به كما نفعه وان يصلح به العباد ويعمر به البلاد ".

والملاحظ أن الأجازة معناها الإذن بالتدريس والفتوى والتربية فيما أخذه المجاز عن المجيز من العلوم و المعارف و طرق التربية و هذا لا يتأتى و لا يحصل إلا حينما يطمئن المجيز الذي هو في المستوى المطلوب علما ومعرفة و أخلاقا وسلوكا وخوفا من الله تعالى وطاعة له ومن هنا فإن المشايخ العارفين كانوا يضنون بالأجازة ويحرصون كل الحرص على أن تصادف مكانها اللائق والشيخ عبد القادر شايب أذراع العارف بالله الواقف على حدوده الساعي في نفع عباده لو لم ير في تلميذه الكفاءة العلمية والمؤهلات الخلقية والسلوكية لما أجازه هذه الأجازة المطلقة ولما أمره بالاستخلاف بعد الممات. فلا مكانة هناك للمجاملة أو القرابة أو العاطفة إنها شهادة يحاسب عليها صاحبها يوم القيامة حسابا شديدا، ومن هنا كان كل من المجيز والمجاز يحتاط للإجازة ويقرا لها ألف حساب لأنها مسؤولية ثقيلة لها تكاليف وتبعات. وبعد أن أنهى الشيخ الطيب بن المختار دراسته وأجازه شيخه، كلفه بالتدريس في معهده حيث رأى أن طلبته أحق بالانتفاع بهذا الشيخ قبل غيرهم ولكنه اعتذر بعدم قدرته على التدريس تواضعا منه وتهيبا أمام المشايخ غير أن شيخه عبد القادر شايب أذراع يعرف كفاءته ومقدرته على الإفادة لقد الزمه بالتدريس وقال له إنك ستقوم بالمهمة و أنت لها أهل ولم يبق للشيخ الطيب بن المختار إلا أن يستعد للمهمة ويتصدى لها بكل ما أوتي من مؤهلات فالتف حوله الطلبة وكلهم رغبة في التحصيل والتعطش إلى العلم والمعرفة. وكان الشيخ الطيب بن المختار شديد الشغف يحب طلبته ورغبته في التغذية العلمية وما هي إلا فترة وجيزة من الجهاد العلمي حتى أخذت الثمار تبدوا وتعد بنتائج طيبة وحصاد موفور رفيع وتحققت بذلك فراسة الشيخ في تلميذه وفي هده الأثناء كانت أوضاع الشيخ تنذر بالانفجار مما يدفع بالشيخ الرغبة إلى مواصلة الدراسة بفاس.

وفي سنة 1234 هـ سافر المرحوم إلى فاس وحط رحاله بمسجد القرويين، لكنه لم يعمر أكثر من ثلاث سنوات قرأ فيها العلوم الشرعية إلى أن أجيز. فأثناء عودته إلى بلده انحاشت إليه الطلبة من كل جانب حيث تصدى للتدريس فظهرت غزارة علمه لدى المجتمع فتزاحم عليه الطلبة وأصبح عددهم يفوق (400) أربعمائة طالب فكان مسرورا بهذا المنظر اشد السرور داعيا ومرشدا لطلبته على العزم والقوة والمثابرة والاجتهاد. لقد كان صدرا لطلبته فقيها لهم, كاتبا وأديبا صاحب خطبة وتواضع وإيثار وقبول حسن وله شعر رائع ونثر فائق وكتابة بليغة وتأليف عديدة وكان آية في عهده لقد ظهر هديه وصلاحه وسيرته و ورعه. إن الشيخ الطيب بن المختار لم يعمر طويلا بالزاوية حتى نادته الوظيفة وأسندت له مهام أخرى جديدة حيث تم تعيينه قاضيا بمدينة تيغنيف. لكن الزاوية لم تغلق أبوابها بل تداولتها الأيادي من أهل الطيب بن المختار إلى أن وصلت إلى الحفيد الذي يعتبر نموذجا مثاليا لأسلافه.

إن الشيخ الطيب بن المختار لم يمكث إلا بضعة أعوام وانتقل إلى مدينة سطيف، لقدا أصبح المرحوم قاضيا وخطيبا وإماما فكانت اتصالاته بأهالي سطيف مبنية كلها على الصدق والإخلاص والتذكير بالكتاب والسنة. لقد تابع المرحوم جلساته القضائية على متن سلفه فرضي الله عنهم أجمعين وبعد المدة التي قضاها في مدينة سطيف عاد إلى مدينة تيغنيف متقاعدا مما جعله يقوم بتأليف عديدة ونشر أمهات الكتب. لم يعقب المرحوم من البنين إلا بنتين طاهرتين مثقفتين ثقافة جامعية في ذلك العهد.

ما ورد في مقدمات تآليفه الآية الكريمة يقول الله تبارك وتعالى ? يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله ? صدق الله العظيم ومن ديوانه الشعري اقتطفت هده الأبيات :

هذه صقلية لاحـت معالمهـا دار اقر لها بالفضـل ذو نظـر

هذه منازلهم تبكـي مـآثرهم هذه المساجد قد دكت قواعدها

هذه السعادة قد لاحت بدايتها فـالله يختمهـا بأحسـن مختتم

يقول أبو القاسم سعد الله : " ومن أقرباء الأمير عبد القادر اللذين عاشوا في نفس الفترة الزمنية الشيخ الطيب بن المختار بن الطاهر بن البشير و هو أديب له ديوان شعر وله في التفسير والتوحيد وله في الفقه وله في اللغة, ولد ونشأ و تعلم في الراشيدية ومنها انتقل إلى تلمسان طالبا للعلم فأخذ عن علمائها ثم رحل إلى فاس ومكث بها مدة طويلة ثم رجع إلى مسقط رأسه. لقد رافق الأمير إلى منفاه و ذلك إلى بلد الشام ثم عاد إلى أرض الوطن و تولى فيها القضاء و الإفتاء.

توفي يوم 22 من شهر ذي القعدة 1292 هجري الموافق لـ 1875 م، وبعد دفنه بنيت له في الحين دار كبيرة لتبقى له معلما تاريخيا إلى يومنا هذا.

الشيخ سيدي محي الدين

ولد الشيخ محي الدين سنة تسعين ومائة وألف الموافق لعام 1776 م، في قرية الضفة اليسرى لوادي الحمام غربي مدينة معسكر. و القرية هي قيطنة وادي الحمام حيث كانت عبارة عن عدد صغير من المنازل تشتمل على زاوية كانت مقصد العلماء و المرابطين و الشخصيات المعروفة من المنطقة اشتهرت أسرة محي الدين بالكرم و التقوى و العلم في قبيلة بني هاشم، و خارج حدود هذه القبيلة و كان نشاط أسرته يسودها طابع ديني و اجتماعي.

نشأ الشيخ محي الدين و ترعرع وفي أحضان والده تثقف و كرع من أهل الثقافة و الأدب و العلوم الإسلامية. وقبل أن يدق ناقوس الخطر، كان محي الدين رئيس الأسرة و متزوج بأربع نساء هن زوبيدة التي ولدت له محمد السعيد ومصطفى و أحمد، الزهراء التي أنجبت له عبد القادر و بنتا اسمها خديجة، فاطمة التي ولدت له الحسين و بنتا اسمها يامينة و خيرة التي ولدت له ابنه المرتضى.

و في سنة 1826 م تمكن محي الدين مع ابنه عبد القادر من زيارة الأماكن المقدسة لأداء فريضة الحج و قد مر المسافران بتونس ثم طرابلس ثم الإسكندرية و القاهرة ثم توجها إلى مكة و بعد أن أديا الحج قاما بزيارة العراق، و في السنة الموالية عاد إلى الأماكن المقدسة للقيام بحجة أخرى ثم رجعا بطريق البحر إلى الجزائر حيث كانا في استقبالهما جمع من العلماء و الأعيان للترحيب بهما فزادت بذلك سمعة محي الدين و انتشر نفوذه كما اتسع نطاق الدور الذي يقوم به في التحكيم و فصل الخصومات وكما آل الأمر إلى الاختلاف و النزاع و سريان الدفاع و الانتقام و أخذ الثأر. وتوقفت المعاملات التجارية و ركن النشاط الزراعي بسبب اختلال الأمن العام عند عدد من العلماء و الأشراف وذي الحل والعقد وعزمهم على المبايعة لأمير تتوفر فيه الشروط الضرورية ليقوم بها أشهر الكفاح الشعبي و قد وقع اختيارهم على محي الدين لما ظهر عنه من الفضل و لما عرضوا عليه هذه الرغبة رفض الأمارة و لكنه قبل الجهاد. وفي 17 من شهر أفريل 1832 م قام محي الدين بشن هجوم برجاله على دوريه استطلاعية فرنسية في ضواحي وهران و أنزل بها بعض الخسائر، و في أول ماي وجه محي الدين تحد للجنرال قائد قوات وهران بالجلاء عن المدينة أو بالخروج للقتال و لكن القائد الفرنسي لاذ بالصمت و رفض أن يرد عليه.

وفي 03 مايو من نفس السنة جمع محي الدين عدة آلاف من المجاهدين واتجه على رأسه إلى مدينة وهران و شن هجوما على قوة فرنسية كانت تعسكر في المنطقة و قد أشرك عبد القادر في هذه المعركة و أبلى فيها بلاء حسنا و استمرت المعارك عدة أيام ثم أوصى محي الدين القبائل المجاورة بمواصلة محاصرة وهران اقتصاديا و بعدم السماح بوصول الممون إلى حاميتها الفرنسية.

وفي 19 سبتمبر نظم محي الدين حملة هجومه على وهران على رأس قوة تعدادها حوالي ألف رجل، و حملة أخرى في 23 أكتوبر على رأسها خمسمائة (500) مقاتل و كانت خسارة الفرنسيين بالغة و استمر الشيخ محي الدين في قتاله للعدو و ليثبت إرادة الشعب في الكفاح و يدرب المجاهدين على أساليب الحرب مع الفرنسيين.

توفى الشيخ محي الدين البركة المقتدر به في كل سكون و حركة يوم الأحد ثالث ربيع الأنور سنة تسعة و أربعون و مائتين و ألف الموافق ليوم 21 جويلية 1833 م. و قد تم دفنه بسيدي قادة و أمر ببناء ضريحه الأمير عبد المالك و ابن أخيه الأمير خالد. كما توفي في تلك الفترة ابنه أحمد بعد مرض ألزمه الفراش مدة من الزمن يوم الثلاثاء من شهر جمادى الأول سنة 1252 هجري، و تم في الحين قبره بجوار والده الشيخ محي الدين، و هو يعتبر الأخ الأكبر للأمير عبد القادر، فهو فقيه صوفي له اهتمامات ببعض علوم عصره، حيث كان يقرض الشعر وقد ولد بقرية القيطنة من نواحي معسكر، رحل إلى المغرب حيث تولى مشيخة والده في الطريقة القادرية، و قد عرضت عليه الأمارة قبل أن تعرض على أخيه عبد القادر فلم يقبلها، ولم يقبل الزواج من أسرته لا من قريب و لا من بعيد، و لكنه اشترك مع أخيه في كفاحه ضد الفرنسيين، و دوره في هذا الكفاح غير بارز، كما أن دوره العلمي غير بارز، بحيث أن تراثه مغمور.

قاضي القضاة

البشير مصطفى بن حسن بن علي

ولد المرحوم البشير مصطفى يوم 26 من شهر نوفمبر 1845 بسيدي قادة.

نسبـه : البشير مصطفى بن حسن بن علي بن الطاهر بن البشير بن عبد القادر بن أحمد بن المختار.

دراسته : إن المرحوم البشير مصطفى هو الابن الأول والأكبر من بين إخوته حيث لقي اعتناء كبيراً، فكان والده حسن بن علي قاضي فغذاه واعتنى بتربيته ولما بلغ سن التميز أدخله والده إلى الزاوية فحفظ القرآن الكريم كما حفظ أحكامه ورسمه لقد ظهرت براعته في حفظ المتون الأخرى وهو لا يزال صغيراً كمتن ابن عاشير و الأجرومية، و همزية البوصيري، ورسالة أبي زيد القيرواني و في سنة 1860 م إنتقل من المنطقة التى تربى فيها وقرأ فيها المبادئ الأولية إلى مكان يدعى اللوزات قرب روضة والديه .لقد مكث المرحوم أربع سنوات درس فيها القرآن والتفسير والحديث على يد علماء يدعون في ذلك الوقت عائلة شايب أذراع وعائلة محمد شرقي وعائلة سيدي علي بوطالب، وفي سنة 1865 سافر المرحوم إلى أفلو حيث كان والده حسن بن علي قاضي في هذه المنطقة فإستقر المرحوم سنتين درس على مشايخها العلوم المعروفة في ذلك العهد. لم يمكث المرحوم في هذه المنطقة فاختار مازونة وفي سنة 1870 سافر المرحوم إلى مازونة وهو ما زال لم يبلغ سن الفتوى بعدما إستأذن من والده ليدرس هناك على يد العلماء الأفاضل الذين طار ذكرهم في الأفاق مثل العلامة الشيخ أحمد بن أبي راس المازوني .حيث تخرج من هذه الزاوية علماء جهابذة ومن أقطار مختلفة، فرغب المرحوم في الإزدياد من العلم والتضلع من فنونه مثل المرحوم علي بن الشيخ بن المهل وفي هذه الزاوية التي تخرج منها مصطفى بن حسن بن على والتي هي منبع أسرار الشيخ خليل وكذلك من علمائها المشهورين العلامة السيد محمد بن الطاهر وكذلك الحاج الميلود الشعيبي ومنهم كذلك مصطفى بن زياد ، لفد تخرج مصطفى بن حسن بن علي من هذه الزاوية متظلعا متفقها فنال ما ابتغاه رحمه الله ونفعنا ببركاته آمين.

وفي سنة 1873م سافر المرحوم الى مهاجة وبالضبط عند أخواله (عائلة بالخثير) وفى هذه الفترة التى تاقت فيها نفسه للحصول على مرغوبه من العلوم الدقيقة قرآ فقه اللغة وأصول الفقه وتعمق في دراسة علم الميزان عند أخواله بمهاجة وقد إستفاد وحصل على كثير من المعارف الشيء الذي أهله ليصبح بعدها قاضيا خلفا لوالده الذي تقاعد.

وفي سنة 1878م، انحاشت إليه الطلبة من كل جانب حيث تصدى للتدريس فترة قصيرة وذلك نظرا لغزارة علمه، وسعه ماله إذ أنه كان ثريا لا يحتاج إلى الوظيفة، لقد تزاحم الطلبة بمناكبهم قاصدين منه تحصيل العلوم وكان فرحا بهذا المنظر الشيق ومسرورا أشد السرور داعيا لطلبته العزم و القوة والمثابرة.

مما قيل عنه أنه كان مثقفا عالما بالحديث وعلوم العربية والعلوم الفقهية و الأصول إنه العالم الزاهد قوي النفس الآمر بالمعروف و الناهي عن المنكر فات مهارة أهل وقته في العلوم المختلفة، و أعرف الناس بحفظ القرآن و تفسيره وأحفظهم للسنة و أتقنهم في علم الأصول الفقهية، عارف بالرجال بصيرا بأسانيدهم وبالجملة كان نبراسا في العلوم الإسلامية بعد ما كان متبحرا فيها إنه شديد الرد على الفرق الضالة و على البدع الحادثة في الإسلام وعلى العلماء المتساهلين، كان قواما للحق لا تأخذه في الله لومة لائم و الله ما كان مصطفى ليتلاعب بالدين، وكان في الأخير قد رفض منصب قاضي القضاة من أجل هذا الغرض، ليتفرد بمسائلها ولا يطلق لسانه بما اتفق و ما سطرت له الشريعة بل يقدم الدليل من القرآن و من السنة، و يبرهن لهم و يناظر كثيرا، و له حدة في البحث زرعت له عداوة و خاصة لما راح يكتب عن تاريخ القبائل الغريسية. و هذه عادة ذكرها العلماء و لاسيما من كان مستقل الفكر حر اللسان أي له صدق في الآخرين، وأفكاره معروفة في فهم الحقيقة أي حقيقية الدين الإسلامي و تجريده من زوائد البدع وإخلاص الدعوة للتوحيد و ترك المغالات في تعظيم المخلوقات هي الأصل في مذهب الإمام مالك و هو الأصل الذي يرجع إليه و العمل بالتقيد بالكتاب والسنة و ترك تقاليد الأوهام و الاستقلال الفكري في فهم الشريعة و التي هي من الكتاب والسنة الصحيحة والقياس و إتباع السلف الصالح رضي الله عنهم.

إن البشير مصطفى هو آية من آيات الله في الذكاء و الفهم حيث تبين لنا هذا من تراثه الفكري. وإنه من العلماء البارزين الذين خدموا الدين و كانوا له حافظين، إنه الإمام المتكلم، إنه الفقيه المشارك، إنه المصباح الوهاج. إنه قاضي القضاة الذي لا يفصل إلا ما هو مقيد في الكتاب و السنة و قد تصفحنا بعض العجالات كتبها بخط يده و فصل في قضايا عويصة بالشريعة المحمدية. رحمه الله ونفعنا ببركاته آمين.

لقد توفي المرحوم ليلة الإثنين 23 من شهر مايو 1918م رضي الله عنه وكان عمره ثلاثة وسبعون سنة، ودفن رحمة الله بوصية منه بجوار جده سيدي قادة. و بالضبط في المقبرة المسماة في ذلك العهد مقبرة سيدي محمد بن عبد القادر، وقبره ومقامه مشهوران ومعروف عند الخاص والعام ويزار للتبرك وتأتيه الناس من كل فج. وقد صلى عليه أخوه البشير عبد القادر المدعو الشيخ الحاج بخدة بصفته شيخا للزاوية القادرية والتى يترأسها اليوم ( الحفيد المهذب العبقري الذكي البشير محمد بن عبد الله الموصوف بالأمانة وحسن الخلق، وصدق الحديث والذي أكرمه الله بزوجة شريفة بنت سيدي عبد الرحمان بوناب ذات الجود والكرم، إنها تطعم الطعام لكل عابري السبيل والقاصدين، فهي وزيرة صدق وأمان للزاوية ولزوجها البشير محمد بن عبد الله عضداً وحرزا حفضهما الله ورعاهما وأطال في عمر أمها وجعل مقامها مع أزواج النبي?B?.

أما كلمة التأبين فقد ألقيت من طرف العالم الجليل الشيخ عبد القادر بن مصطفى الفرحاوي رحمه الله وبرد ضريحه ورزقنا الله التصديق به وبأمثاله من أولياء الله تعالى.

لما ذكر البشير مصطفى وذكر خصاله الحميدة أذكر ما يتعلق بفروعه حسب ما حضرني من حوار و استجواب أجريته مع عائلة المرحوم ولقد ذكرت لي الوالدة رحمها الله أثناء حياتها أنه لما توفي والدها خلف فروعا كلها تشبه أصولها في العلم والشرف والكرم والمروءة والإحسان منهم سيدي أحسن المدعو ( سيدي أحسن البصري )، حيث حفظ القرآن العظيم وهو صغير السن وتفقه في الدين. أما خصاله فحدث عليها ولا حرج فكان يطعم الطعام و يرشد الناس إلى الصواب ويقر الضيوف على حساب ما كان عليه والده كما أنجبت ثلاث بنات فكل هذه الفروع من بنين وبنات غادرت الحياة فكانت التي بلغت من الكبر ما شاء الله وهي المسماة البشير خديجة حيث توفيت يوم 14 من شهر ديسمبر 1999 ودفنت بجوار جدها سيدي قادة وذلك بناء على وصيتها وفي الخمسة الأولى من شهر رمضان المعظم وقد بلغت من العمر سبعة وتسعون سنة ولم يبق من صلب البشير مصطفى إلا أحفاده ، فهذه الأخيرة كانت أنفع الناس لعيال الله ولها أعمال خيرية تشهد عليها يوم رجوعها إلى الله وهي مشاركتها مشاركة فعالة في بناء وتأسيس مسجد يوم 13/02/1947 بدوار زاوية أولاد سيدي بن جلول بمنطقة سيدي بن يخلف وهذا لإقامة الصلوات الخمسة وقراءة القرآن.

وقد تخرج من هذا المسجد عدد كبير من حفظة القرآن الكريم. لقد كانت المرحومة البشير خديجة مشهورة في الكرم حيث تتولى إطعام الطلبة وعابري السبيل والقاصدين المسجد، فكانت تقوم بغسل ثياب الطلبة وبالجملة فإن أمثالها نادر، في هذا الظرف بالذات فكانت مشاركتها مشاركة كاملة في القرآن العظيم و العلم الشريف وعلم التصوف، وإذا تكلمت كان كلامها حكمة، ولها غيرة على الإسلام وعلى العلماء وعلى الفقراء رحمها الله ونفعنا ببركاتها آمين.

أبو طالب أحمد بن محمد الغريسي

ولد أبو طالب أحمد بن محمد الغريسي في واد الحمام قرب مدينة الراشدية يوم 13 من شهر شوال سنة 1252 هجرية. هو أبو طالب أحمد بن محمد بن عبد القادر بن علي بن أبي طالب بن البركة الشيخ العلامة سيدي الحاج مصطفى بن المختار. رضي الله عنهم أجمعين.

في سنة 1260 هجرية انتقل أبوه إلى فاس ومكث بها أعواما وبها وجد ما ابتغاه حيث أدخله والده إلى القرويين التي كانت موجودة في ذلك العهد بحي يسمى زرب البطانة، وفي هذا المكان و بالضبط. قرأ المترجم القرآن وحفظه حفظا دقيقا كما حفظ رسمه وأحكامه على يد الشيخ سيدي سليمان. وبعد ذلك انتقل الشيخ إلى مدينة مكناس. وفي سنة 1264 هجرية انتقل إلى طنجة رفقة والده وهنا وفي هده البلدة بالضبط أخذ ما ابتغاه من مبادئ العلوم العربية عن العلامة الشيخ محمد الدكالي، ومبادئ الفقه عن عمه أحمد وعن الفقيه العلامة محمد بن علال التلمساني، وهو صهر أبي عبد الله محمد بن محمد المجاوي الجليلي. ولقد تمكن أبو طالب أحمد بالقوة من الاستفادة من سائر العلوم حيث وهبه الله حفظا من سيلان القلم و طلاقة اللسان. إنه في الحقيقة واسع الفكر، عريض الفهم والإدراك، انه شريف النسب من أبيه ومن أمه، فزاده العلم شرفا. ومكث في فاس وطنجة خمس (05) سنوات.

في سنة 1269 هجرية انتقل مع أبيه محمد بو طالب إلى تونس، وهنا حضر دروس الشيخ عفيف والشيخ بيرم الكبير والشيخ النيفري وغيرهما من علماء جامع الزيتونة.لقد فاق أقرانه في علم العربية، فزاده الفقه بعدما كان خبيرا في فن النحو. لقد كان يراجع دروسه في جامع الزيتونة حيث كان له مجلس واسع الحضور، يحضره كثير من الطلبة، ويقرأ كل واحد منهم وهو لايزال طالب، فلم يكن له رحمه الله عمل إلا الاشتغال بالقراءة. وكانت له نفس طيبة وأخلاق حسنة، وله فكاهة مستعذبة مستملحة رحمه الله.

في سنة 1272 يفقد أبو طالب أحمد والدته السيدة خديجة بنت سيدي محمد السعيد بن محي الدين بن مصطفى بن المختار. فتألم كثيرا و أدركه الهم و الكرب و استعاض من فقدان والدته فاختار الذهاب مع جده لينزل بدمشق و بهذه البلدة العظيمة أخذ عن خاله العلامة الشيخ محمد المرتضى و الأمير عبد القادر بن محي الدين. لكن منزله الرسمي كان عند خاله وبعد مدة قضاها بدمشق ذهبت أفكاره بعيدا حيث خاف أن ينقطع الحبل بينه وبين أبيه الذي بقى في مدينة سطيف فتشاور مع خاله في هذا الأمر. فكان خاله نصوحا له حيث أبرز له الحقيقة فطلب منه العودة إلى سطيف ليسكن مع أبيه.

رجع أحمد أبو طالب الغريسي إلى سطيف فألتحق بأبيه فطاب له المقام ووجد خالته في حجر والديه فاختار نفس الوظيفة التي يشغلها والده حيث كان والده قاضيا في دائرة قسنطينة بينما اختار هو مدينة سطيف عندما تم تنصيبه بهذا البلد و استقر و اشتهر أمره و حكمه وعدله وظهر علمه فانحاشت إليه الأهالي من كل حدب و صوب و ذالك لما رأوا علامات الخير فيه كما رأوا فيه اليد الطولى في الفنون. فكان في الحقيقة آية زمانه حفظا و اتقانا و تبيانا في علم الشريعة، عارفا برجال الحديث حافظا لصحيح البخاري و صحيح مسلم و غيرهم هذا مما جعل الناس يتزاحمون عليه أكثر من والده لينتفعوا منه. ثم بعد ذلك انتقل إلى الأربعاء من دائرة الجزائر و في هذا البلد اجتمع بالعلامة الشيخ حميدة العمالي مفتي السادة المالكية في الجزائر. و حظر السيد أحمد أبو طالب دروسه فأعجبه ترتيب اقرائه و تقريب العلم إلى الأفهام مع التحقيق التام. ولما ولي العلامة علي بن الحفاف الإفتاء بعد موت الشيخ العمالي سار يجتمع به أيضا و قرأ عليه كذلك التجويد والتصويف وهو لا يزال في وظيفة قاضي ومدحه هو وسيدي علي مبارك صاحب القليعة وسيدي أحمد الكبير صاحب البليدة بعدة قصائد سأوالي ذكرها عند ذكر آثاره الفكرية.

ينتقل أحمد أبو طالب الغريسي إلى مدينة مستغانم قاضيا وبعد ذلك حدث شقاق بين العلامة السيد محمد المصطفى المشرفي. والشيخ علي بن حفاف أداهما إلى إشهار القلم في مسألة من مسائل رمضان وقابل كل منهما الآخر بما يعلمه أساء الأول الأدب على الثاني فانتصر المترجم على الحفاف وجعل رسالة عظيمة الشأن سماها " الإنصاف في رد اعتراضات السفساف ونصر ابن الحفاف " فرد عليه المشرفي برسالة سماها " السهام الصائبة في رد الدعاوى الكاذبة ". فأجابه المترجم برسالة سماها " الحسام في تكسير السهام ". و الحاصل أنه رجل مشهور له بطول الباع في القريض و التوثيق و معرفة النوازل بقي أحمد أبو طالب في القضاء نحو ثلاثين (30) سنة لم يزل فيها مطلعا للكتب مقررا على هوامشها. مستعانا بصهره العلامة الشيخ عبد القادر المجاوي الموصوف هنا في ترجمة والده الشيخ محمد بن عبد الكريم المجاوي لأنه كان لا يفارقه.

لقد قيد التقاييد العجيبة و انشأ القصائد، وتولى الكفاية، وله شروح عجيبة على القضاء. لقد كانت داره شهيرة مقصودة. لقد كان عميدة في بلدة سطيف. كما كان من أهل الفضل والدين و العلم المتين. لقد كان شاعرا ماهرا رضي الله عنه وأرضاه و له استدراكات عجيبة في العلوم الشرعية والعلوم الأدبية، وله تقايد على صحيح مسلم وصحيح البخاري و عدة مؤلفات أخرى. و كان رحمه الله يحكي عن أسلافه أهل غريس. وقد تحدث كثيرا رحمه الله عن المعهد الذي كان موجودا في ذالك العهد وهو معهد للتدريس و تخريج العلماء و القضاة يسمى ( معهد اللوزات ) بسيدي قادة. و من نظمه رحمه الله مادحا أحمد فارس الشدياق صاحب جريدة الجوائب المشهورة و أثبت الممدوح ذلك في كتابه " كنز الرغائب في منتخبات الجوائب ".

سناسر الليالي أضاء ليـلا فأنساني مسامـرتي لليلي

وذكرني المثـاني لا المبـاني وأذهلني فرواني و عـلا

وله أيضا رحمه الله في الولي الصالح سيدي علي مبارك

أيا زائرا فك المطى بلمبارك و سلم على المولى على المبارك

و قبل ترابا طالما فاح نشره بأحمصه كالمسك يا خير ناسك

و له أيضا رحمه الله في الولى الصالح سيدي أحمد بن يوسف

مليانة يا طالبا لأربـاح ملئت بسر لاح كالمصبـاح

و تتوجت بلطافة قديسة ومن المحاسن و شحت بوساج

توفى رحمه الله في سطيف يوم 27 من شهر شعبان 1307 هجرية، ودفن بمقبرتها قرب ضريح الولي الصالح سيدي سعيد الزواوى. وأعقب أولادا نجباء أحسن تربيتهم و حثهم على التعليم عليه وقت فراغه، وعلى صهره الشيخ عبد القادر المذكور و هو الذي صلى عليه.

نبغ من أبنائه الأديب الأريب السيد محي الدين القاضي بعمالة قسنطينة و الفقيه السيد أبو بكر قاضي بالبليدة و الشاب السيد محمد المامون الباش عدل في وهران رحمه الله و رحم جميع المسلمين و المسلمات آمين.

سيدي أحمد بن علي


[i]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://aouf.7olm.org
Admin
Admin
avatar

عدد الرسائل : 303
تاريخ التسجيل : 28/05/2007

مُساهمةموضوع: رد: معسكر رجال وتاريخ   13/4/2010, 17:13


سيدي أحمد بن علي
الحمد لله الذي فاوت بين خلقه في المراتب، وجعل في كل قرية سابقين بهم يحي ويميت، و ينزل الغمام الساكب، و الصلاة والسلام على سيدنا محمد البدر المنير و على آله و أصحابه ومنهم الولي الصالح الشريف الحسيني المرحوم سيدي أحمد بن علي، صاحب الأسرار الفاخرة، والإشارات والكرمات الطاهرة صاحب السلسلة الرفيعة والجاه والقدر المبين. الحمد لله الذي يكفينا مزيده بالرحمة والتمكين، مكانته العلمية. كان رضي الله عنه وارعا شارحا تصانيف العلم متفقها في جميع العلوم، عالم وقته، وواحد في أهل أوانه، نفعنا الله به و بأمثاله آمين.

يقول العارف بالله قطب زمانه وغوث أوانه، إنسان عين الطريقة الشاذلية الدرقاوية ومالك زمامها و العارف بمعارفها و ناشر أعلامها الذي أضاء بالشرع نبراسها و أدار على أربابها كاسها، من أتى البيوت من أبوابها، و لبيب أسرار تلك المعاني بأثوابها، مولانا أبو البدور بن عبد الله الحسين ثم الثعباني نسبا الأشعري عقيدة، المالكي مذهبا ابن عبد القادر الملقب بالدرويش بن محمد الملقب بلبوي، بن علي الملقب الثعبان بن محمد الهاشمي بن علي المكنى بأبي شنتوف بن سحنون بن أحمد بن محمد الملقب الزكي بن أحمد الملقب أحمد الملقب الثعبان بن علي بن عيسى الملقب بالحبر بن أبي القاسم الملقب بالمحترم بن أحمد الملقب بالمكرم بن محمد العسكري بن علي الرضي بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقرين زين العابدين بن علي بن الحسين السبط بن الباتول الطاهرة سيدة نساء العالمين بنت رسول الله

إن والد سيدي أحمد بن علي والذى يسمونه ( بن عيسى ) فإنه دفين قنة جبل تاسالة بإزاء بلدة سيدي العباس و أول قادم من رأس تاسالة لبلدة غريس و ينادونه الثعبان الذبيح أحمد بن علي بإذن من شيخه و أستاذه سيدي أحمد بن يوسف الراشدي الملياني الشاذلي طريقة بعد ما خيره الظهور و ذلك بعدما تطور ثعبانا و أحاط ودار ببلدة تاسالة و حصر ظلمتها عن الأكل و الشرب.( 2 )

و يقول الناظم الهاشمية بوشنتوفيه سحنونية علوية نسبة إلي سيدي الهاشمي حفيد سيدي أحمد بن علي و كان من فطاحل العلماء كما ينبئ عنه نظم العلامة النحرير الشيخ مصطفى ابن المختار مخاطبا لجدنا هذا في آخر تحفة الأريب موصلا آباءه بسلسلة واحدة بعد واحد إلى المصطفى نقتطف منها قوله :

كتبته لصاحب المجد العلى الهاشمي قدوتنـا ابن علـي

إما مناذى الشرف المؤثل شيخ التقى و العلم و التبتـل

الراشدي موطنا و مولدا الحسينـي نسبـا و محتــدا

فإنكم نسل نبي خير من بعث للخلق بالفرض و السنن

و أطال الشيخ مصطفى بن المختار جد الأمير عبد القادر في مدح الأسلاف الكرام و كان سيدي الهاشمي فريد وقته في السلوك و بقي في القطبانية الكبرى ثلاثين سنة كما وجد ذلك بخط يده.

سيدي سحنون

سيدي سحنون، الولي الصالح ذو المآثر الأثيرة حمل فقها جزيلا و كان باعه في العقاد طويلا، يعد أحد الزهاد، متبتل للعبادة. تضرب به الأمثال في الحلم، يعتبر من أكثر صفات الكمال، فسل عن أبنائه من لقيت من أهله طالع ما أمكنك في فنه، إن عثرت على ما كان يدرسه، تجده المشار إليه في كرم الشمائل و المعتمد عليه في كثير الفضائل.

يدي سحنون بن سيدي محمد بن سيدي محمد بن سيدي أحمد بن علي إنه من كبار الأولياء الأصفياء الأوفياء، كان يدرس المدونة التي هي أم مذهب الأمام مالك وقد خلف سيدي سحنون عقبا صالحا، سيدي عبد الله بن سحنون الذي يحكى عليه أنه كان يحفظ المدونة الكبرى، و منهم سيدي علي بوشنتوف بن سيدي سحنون بن سيدي أحمد بن سيدي محمد بن سيدي أحمد بن على رضي الله عنهم أجمعين. و يقال أن السيد علي بوشنتوف كان من أهل النسك و العبادة و الزهد، ذا نجدة و بأس و شدة له آراء سديدة و آثار حميدة، مجذوبا في غالب أحواله، يطيل في غيابه على أهله و إخوانه و أقاربه حتى وصلوا إلى درجة أنهم ظنوا موته، قاسمين تركته لا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك و لذالك خلقهم، فقد اختلفوا و اتفقوا و ذات يوم و بعد غيابه الطويل، ظهر كالنجم اللامع و القمر الساطع.

و قد ظهر آمرا أمه لتذهب في الحين إلى لقاء ركب السيد بن أشكور كبير الحشم الغربية عند مروره لواد فر، مشيرا لها إلى تلك البنت العذراء الراكبة على ظهر العجل أن تعانقها عند الواد قائلة لأهل الركب ( ردوا بالكم على زوجة ابني بوشنتوف ) أطلب منكم الرفق و المحافظة عليها من السقوط. فتعجب أصحاب الركب من فعل هذه الأم، فراحوا يسألونها من أنت ؟ و من ابنك ؟ فأجابت راضية مرضية راغبة قائله أنا والدة القطب الرباني علي بوشنتوف فأهديت في الحين البنت التي أنجبت بدورها نسلا طاهرا صالحا كسيدي الهاشمي بن علي، و سيدي عبد القادر وولده سيدي السنوسي الذي يوجد ضريحه بتغنيف، سيدي محمد بن علي المدفون بمقبرة معسكر هذا ما فعله سيدي بن أشكور.

سيدي الهاشمي

و منهم سيدي الهاشمي شيخ الصيانة و النزاهة و ركن الديانة و الفقاهة له الكعب العالي في أهل زمانه و التقدم في فضله و مكانه ولي الله الشهير سيدي الهاشمي بن علي بن علي بوشنتوف يعتبر من فطاحل العلماء العالمين، و مما يحكى عنه بلغ في القطبانية الكبرى ثلاثين سنة و قد وجد هذا بخط يده. و له حكايات و كرامات مع الشيخ مولاي الطيب و هو أن السيد الهاشمي كان راكبا فرسه جادا في سيره إلى بلدة وازان الموجودة بالمغرب لزيارة الشيخ مولاي الطيب فأخذ الطريقة عنه و لما وصل رحب به الشيخ و استقبله في منزله ثم في زاويته و لقنه الورد الطيبى و رخص له بتلقينه وآمره بالعودة قائلا له " دارنا داركم، داركم دارنا ". فعاد الشيخ سيدي الهاشمي و انتشر بفضله سرا الطريق على من كانوا يحيطون به.

هاشمية في السـر و الأنـوار بوشنتوفيـة مثـل المدرار

ماؤها يجري في أغصان الحب لهم ثمر نضيد حلو الشرب

العالم الجليل سيدي أحمد بومعزة

ومنهم العالم الجليل سيدي أحمد بومعزة نفعنا الله ببركاته كان باجتهاده موصوفا و بالزهد و الورع معروفا و في ماله حق للسائل والمحروم. بيد أنه في الأفاضل معدود و رسمه في أكثر آثارهم موجودة؛ إنه من فقهاء تلك العصور والمستعين على إقامة الدين من أولئك الأنصار. انه شيخ التحقيق و إمام أهل الطريق و ناهج طرق الصالحين و له عقب صالح, منهم سيدي عبد الرحمان الولي الصالح, الأمام الأعدل العارف الأكمل النور الواضح التقى الزاهد الوارع الحافظ العارف بالله الواقف على حدود الله القائم بسنة رسول الله العالم العلامة، و الحبر الفهامة نفعنا الله به و بأمثاله و سيدي الطيب بن عبد الرحمان و الشيخ أحمد التهامي ومنهم الحاج مصطفى بن تهامي و الشيخ عبد القادر مصطفى الفرحاوي والشيخ بن عبد الله شيخ الزاوية. انه كان أزهر اللون مشربا بحمرة وهو إلى الطول أقرب بعيد ما بين المنكبين ضخم الهامة أسود الشعر لكنه خفيف اللحية و كان يخضبها بالحناء.

المرحوم أحمد بن سحنون

ولد أحمد بن سحنون يوم 13 من شهر جمادى الأولى سنة 1167 هجري بمعسكر. هو أحمد بن محمد بن علي بن سحنون بن أحمد بن علي بن عيسى بن أبي القاسم بن أحمد بن محمد الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقرين زين العابدين بن الحسين السبط بن علي كرم الله وجهه وفاطمة بنت رسول الله ? B ?.

تلقى هذا العالم الجليل على يد أبيه ثقافة فقهية وأدبية حيث حفظ القرآن في سن مبكر و أتبعه بفنون متنوعة كما حفظ الأحكام و النصوص المتداولة في ذالك العهد. و في سنة 1185 هـ يحط رحاله بزاوية سيدي يخلف الكائن بجبل الراقوبة و بالضبط المطلة على سهل غريس ليقرأ على الشيخ بن حواء بن يخلف، وعلى إثر ذالك في هذه الفترة تعرف على الابن محمد بن حواء بن يخلف وعلى الشيخ عبد القادر الراشدي دفين وهران فمكث سيدي أحمد بن سحنون في هذه الزاوية (02) سنتين درس فيها مختصر " خليل وابن الحاجب " الذي هو عمدة الأمام مالك والتفسير على شرح " السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير " كما درس على الشيخ بن حواء " همزية البصيري " و " ألفيه ابن مالك " على شرح ابن عقيل.

وفي سنة 1187 هجري ينتقل المرحوم إلى زاوية اللوزات الكائنة بمنطقة غريس و التي كان يدير إدارتها العالم الجليل الشهير الفريد في وقته عبد القادر شايب الذراع أحد أبناء سيدي قادة ( دفين أولاد ميمون ) و الطاهر ابن البشير المتخصص في علم الفلك. لقد كانت زاوية اللوزات إحدى المراكز الرئيسية للثقافة التقليدية و التي تتميز بغلبة العلوم النقلية على العلوم العقلية. فدرس في زاوية اللوزات العلوم الشرعية كالحديث و التفسير ودرس على الشيخ عبد القادر شايب أذراع المنطق و العروض، و الأشموني و المرادى إلى أن أجيز.

ومن رفاقه الذين درسوا معه هم على التوالي أحمد التهامي حبيب البودالي، حسين بن علي صحراوي الحبيب و عدد كبير من المسافرين يصعب حصرهم وقد مكث في هذه الزاوية (03) سنوات.

وفي سنة 1190 هجري يعود المرحوم إلى أم العساكر و ينزل بالمدرسة المحمدية التي قام بإنشائها محمد بن عثمان الكبير ليزاول دراسته المعمقة على الشيخ محمد بن عبد الله بن أبى جلال ( أحد أبناء سيدي محمد بوجلال ) فوجد في استقباله حشد كبير من الطلبة الذين قدموا من كل حدب وصوب، و على رأسهم الشيخ محمد بن حواء بن يخلف المساعد الأول للشيخ و الرفيق الأوفى له في كل مهامه و استفاد منه و أجازه و مصطفى بن عبد الله الدحاوي الذي مات وهو لا يزال في عنفوان الشباب و الشيخ محمد الشرقي والشيخ حسين بن علي.

لقد وجد الشيخ احمد ابن سحنون في هذه المؤسسة بجواره علماء وفطاحل كبيرة، فوجد الوفاء بالعهد، و حب الحرية و هذا مما ساعده على نمو مداركه، و صقل موهبته فجلس في هذه المؤسسة (02) سنتين درس فيها صحيح البخاري، وفقه اللغة و أقرض الشعر كما فاز في علم الميزان فحصل ما ابتغاه و هو الشيء الذي أهله إلى أن يصبح قاضيا أشتهر بفضل اجتهاده فكان صدرا رحبا و فقيها و كاتبا ومرشدا و عدلا رحمه الله و نفعنا ببركاته

من تراثه الفكري " يقول أحمد بن سحنون الذي يصف شيخه محمد بن عبد الجيلالي بالمقولة التالية " لقد نشأ محمد بن عبد الله الجيلالي رضي الله عنه بين علم يقتبسه و أدب يلتمسه ثم رحل إلى حضرة فاس و حل بتلك الساحة طيبة الأنفاس فالتقى بعلمائها الأكابر و استفاد عنهم ما تقصر عن جمع أهل المخابر ثم ارتحل إلى الحجاز فالتقى بعلمائها الأمصار و باحثهم في غوامض المسائل ثم رجع وقد أدى فريضة الحج و عطر الأفاق و الأزهار إلى أن قال " و ترتاح في مراح دروسه الروح كما يرتاح بلقائه الجسد إلا وأنه من أكابر شيوخنا الذين انتجعنا رياض دروسهم و انتفعنا كل النفع بهم...

أحمد بن سحنون يتحدث عن الأجازات التي كان يمضيها الشيخ محمد بن عبد الله الجلالي لطلبته، لقد أضفت لهذه النبذة ما قيده زميلي الولي الأشر ف محمد بن حواء بن يخلف و الذي سأوالي ذكره في هذه العجالة بعدما عرف عن مكانته العلمية يقول الفقير النحرير الحسيب الشهير أحمد بن محمد بن على بن سحنون " إن الشيخ الباي محمد بن عثمان الكبير المشراف على إدراة المدرسة المحمدية الذي بناها قرب المسجد الذي أسسه على أنقاض الجامع الأعظم العتيق، كما أن الباي لما عزم على غزو وهران وطرد الأسبانين منها، فكر في إحياء الرباط ووقع اختيار محمد بن عبد الله الجيلالي على الإدارة و على تسييرها الأشراف على شؤونها و هؤلاء المشايخ هم على التوالي ( قاضي القضاة الطاهر بن حواء أحمد بن سحنون، محمد بن حواء بن يخلف، مصطفى الراشدي ) لم يحظ الشيخ محمد بن عبد الله الجيلالي لمن ترجم له من معاصريه مع توافر عددهم إلا ما ذكره تلميذه أحمد ابن سحنون. أما ما عثر عليه من إجازة أخرى أجاز بها بعض طلبته تعرض فيها رحلته العلمية مشايخه بتلمسان و فاس و هو تلميذه محمد بن حواء بن يخلف حيث كاتب فيها أحمد التيجاني يقول " الحمد لله من عبد الله سبحانه إلى أخينا في الله و محبينا من أجله السلام عليكم و رحمة الله تعالى وبركاته: أما بعده فقد ورد علينا كتابك الذي كتبه لشيخنا و قدوتنا الشيخ محمد بن عبد الله الجيلالي فتصفحناه و قرأناه و فهمنا معناه و عباراته و إشاراته غير أننا تحيرنا من قولك ( الرجوع إلى العجالة الخطية للشيخ محمد بن حواء بن يخلف ).

و يقول أحمد بن سحنون عند وفاة الشيخ محمد بن عبد الله الجيلالي" إن هذا المصاب العظيم قد أنطق تلامذته بالحكمة و الموعظة و التزموا بالقول السديد " و زاد في قولته المشهورة " لقد كانت وفاته صدا في أطراف منطقة الراشدية منطقة الخير والبركة و الله ولي التوفيق الهادي إلى سواء السبيل ".

قد ورد في تأليفه " الثغر الجماني " العبارات التالية : بسم الله الرحمن الرحيم و صلى الله و سلم على سيدنا محمد و آله و صحبه، الحمد لله الذي نصر من يشاء من عباده، و أقامه لقهر أعداءه و أمر لقتال العدو و جهاده حتى تتمخص له حواضر الوجود و بواديه و تخلص للحق من عالم هذا الخلق بواطنه و بواديه أحمده سبحانه على ما أظهر في هذا الثغر الوهراني من الابتسام في وجه الإسلام وأذكى فيه من نار المخافة من عصبة الدين على مديد الانقياد و الاستسلام و نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة نستعد بها إذا حمى الوطيس و نرغم بها أنوف المشركين و المغاطيس و نشهد أن سيدنا و نبينا محمد عبده و رسوله وصفيه و خليله نبي دعى الأمة وحده و جاهد في الله حق جهاده حتى صدقه وعده و أبقى دينه منصورا على سائر الأديان وذكره مشهورا على ممر الأحيال اللهم صلي وسلم عليه وعلى آله و صحبه الأعيان صلاة وسلاما تامين دائمين ما اختلف الجديدان و اتصل المديدان ". وكانت نهاية تأليفه العبارة التالية " انتهى على يد كاتبه ثانيا مؤلفه أحمد بن محمد بن على لطف الله به وغفر له ولوالديه ولجميع المسلمين و الحمد لله رب العالمين يوم الثلاثاء الخامس من رمضان سنة سبع و مائتين وألف ولا يخفى على ذي اللب أن من كتب يده بيده تصرف فيه كيف يشاء ففي هذه النسخة بعض الزيادة و النقص على نسخة الأصل ولذالك لا يقدح في كل منهما ".

وماذا قيل عن العالم الجليل الشريف الأصيل ؟ للإجابة على سؤال مثل هذا أقول " إن أحمد بن سحنون يعتبر من العلماء البارزين في منطقة غريس وغيرها. انه أدبيا و ناقدا، و صاحب بلاغة و مؤرخا و لسوء الحظ لم يترك لنا هذا العالم الجليل البارز أثار فكرية ماعدا بعض المراسلات و كتاب أخر يتضمن فتح وهران. ويعتبر أحمد بن سحنون من المؤرخين البارزين و المعاصرين ومن الذين كتبوا عن التطورات التي حدثت في أروبا. إن أحمد بن سحنون و منهجية كتابته هي شبيهة بطريقة علماء القرن السابع عشر و مما يلفت الانتباه هو أنه لو كانت لهذه الشخصية العظيمة مؤلفات أخرى عديدة لعرفت طريقة تأليفه رواجا في شمال أفريقيا.

وقد توفى المرحوم الشيخ المؤرخ سيدي أحمد بن سحنون يوم 17 من شهر ذي الحجة سنة 1249 هجري.

خليفة الأمير عبد القادر بن مصطفى التهامي

ولد المرحوم أبو عبد الله مصطفى بن تهامي بدوار أولاد القاضي الموجود بين منطقتي سيدي قادة و تيغنبف. ونسبه هو كالآتي هو مصطفى بن احمد تهامي بن محمد القاضي بن تهامي بن سيدي بومعزة بن سيدي عبد الله بن سيدي سحنون بن سيدي أحمد بن علي. و لم يبق له أي عقب بحيث ماتوا كلهم بسجن أمبواز بفرنسا أثناء إقامة الأمير و عدد من رفاقه. توفي له ابن بالسجن و دفن بمقبرة عربية هناك، كما توفيت الآنسة فاطمة بنت الحاج مصطفى بن تهامي و دفنت بجوار أخيها و عدد كبير منهم ماتوا بسبب أثر السجن و الاعتقال، و لا تزال أسماؤهم للعيان شهادة تاريخية لا تنسى.

بدأ دراسته عن والده فحفظ القرآن و المبادىء الفقيهة و النحوية و هو في سن مبكر كما قرأ عليه المختصر و الأجهوري لقد تنقل المرحوم إلى زاوية اللوزات بسيدي قادة أين كانت إقامة عائلة شايب أذراع، و مصطفى بن مختار و الشيخ محمد الشرقي والشيخ حسن بن علي بصفته قاضي القضاة، ثم بعد ذلك سافر إلى العين الكبيرة في جبال أترارة ثم إلى مازونة أين درس في هذا البلد التفسير والسيرة النبوية و التوجيه قبل أن يعود إلى أم العساكر و بالضبط إلى مدينة تيغنيف وبعد فترة قصيرة ذهب إلى مدينة أرزيو وتعلم أشياء عديدة بملازمته حلقات الأدب والتربية والتصوف.

عاد مصطفى التهامي إلى مسقط رأسه و بدأ العمل مع والده أحمد بن التهامي الذي كان قاضيا و من كبار المشايخ العارفين و من الأعيال المحققين و الأعلام من العلماء الراسخين و صاحب الكرامات الخارقة و من الأحوال و الأنفاس الصادقة؛ لهذا عينه الأمير عبد القادر رئيسا لمجلسه الشوري العالي الأميري الذي كان يتألف من 11 عضوا من كبار العلماء و الفقهاء و القادة و كان المرحوم أبو عبد الله مصطفى التهامي يعيش في هذا الجو دون إن ننسى انه ابن أخت الأمير عبد القادر فنشأ على هذه السيرة و المكانة في كنف العلم و الثقافة فعينه الأمير كاتبا و رئيسيا لديوان الإنشاء بعد ما قتل خليفته بولاية معسكر و بعد ذلك تولى أبو عبد الله مصطفى التهامي قيادة الجيش في عدة جهات من الوطن كالمدينة و الجلفة و المسيلة و بوسعادة و برج بوعريريج و سطيف و بسكرة، كما كلفه الأمير بالهجوم على وهران و جيرانها إضافة إلى ذلك كلفه بمهامات كثيرة عسكرية و سياسية منها تنصيب المسؤولين المعنين الجدد و بقي ملازما للأمير عبد القادر في كل أعماله و خاض معه كل المعارك الأخيرة في بلد الريف ضد القوات الفرنسية.

و من جهة أخرى كلف من طرف الأمير بكتابة تاريخه في قصر أمبواز وفي هذا الفترة بالذات نظم أبو عبد الله مصطفى التهامي غوثية تتألف من 422 بيتا في التوسل إلى الله ورجاء رحمته و فرجا بعد أن ضاقت بهم الدنيا و تأخر إطلاق سراحهم إلى المشرق العربي فقال الشيخ الفقيه الأديب الذي أخذ من كل علم أوفر نصيب متوسلا و متضرعا راجيا النفع مبتذلا حصول كشف الحرب و الفرج و رفع الشدة فنظم هذه الغوثية في هذه الفترة في سجن أمبواز بالمنفى في فرنسا فكلها تشير إلى الموضوعيات التي تطرق إليها في تأليفه من الأنبياء؛ و الرسل و الملائكة و الصحابة و التابعين و الأولياء و العلماء و استغاث و توسل بهم إلى الله فعندما أطلق سراحهم من فرنسا عام 1853م، رحل الحاج مصطفى بن أحمد التهامي مع خاله الأمير عبد القادر إلى مدينة بروسا في تركيا أين استقر بها حتى أواخر 1855م ثم شدا الرحال إلى دمشق و استقرا هناك نهائيا إلى أن التحقا بجوار ربه واحد بعد الأخر

توفي المرحوم أبو عبد الله مصطفى التهامي ببلاد الشام و أقيمت صلاة الجنازة على روحه الطاهرة في الجامع الأموي في دمشق الذي كان إماما فيه، و لم يتمكن لحد الآن من الحصول على ذكر وفاته و إنما من المؤكد أنه عاش في فترة الأمير عبد القادر وقاد معه الحكمة و فنون الحرب وهذه الإستراتجية اتبعها مجاهدون طيلة الاحتلال الفرنسي في الجزائر ما يمكن قوله على الشيخ المرحوم أبو عبد الله التهامي لقد شاهد في حياته المرنة اللينة التسامح اللتين دعا إليهما خاله الأمير عبد القادر أثناء إقامته بالشام حيث نجى 15 ألف (15) من النصارى الذين احتموا به و ذلك خوفا من جراء التعسف للجيش التركي عام 1860 م.

كانت أخلاقه كأخلاق الأمير عبد القادر و قام بواجبه كمسلم محافظ على سيادة القيم و المقتضيات الإنسانية و خصال كثيرة و في مقدمتها تمسكه بالتقشف في دولة الأمير عبد القادر لما فيه خير الوطن و الشعب.

الشيخ عبد القادر بن مصطفى الفرحاوي

المرحوم ساهم بفكره و ماله في نشر العلم و خصص حياته لتنوير طلبته بما حفظه. فكان قدوة قرية السحانين، بلدية ماوسة مسقط رأسه. لقد اختصت منطقة معسكر منذ القديم بإنجابها للعلماء و النجباء العاملين الذين تركوا بصمات لا تمحى في الحرص على تعلم العلم و تعليمه و من هؤلاء نتعرف خلال هذه السطور على المرحوم الشيخ عبد القادر بن مصطفى الفرحاوي الذي من شدة حرصه على تدريس الطلبة. اضطر خلال سنين الشدة إلى بيع كل ما ورثه من أراضي خصبه بسهل غريس من أجل الأنفاق على طلبته و هذا عمل لم يسبقه فيه أحد فيما نعلم كما لم يقم به أحد بعده من العلماء أو غيرهم. لقد عمر الشيخ عبد القادر بن مصطفى الفرحاوي قرنا من الزمن إذ ولد عام 1845 و توفي في شهر أفريل 1945م، وطيلة هذا القرن الذي عاشه لم يكف عن التعلم و التدريس إلا أسبوعا واحدا هو الأسبوع الذي أنتقل فيه إلى جوار ربه؛ فحفظ القرآن على عادة السلف الصالح و هو ابن تسع سنين بمسقط رأسه قرية السحانين، بلدية ماوسة. كما تلقى مبادئ العلوم الدينية على والده قبل أن ينتقل إلى مسجد شيخه السيد محمد الخلوي الذي تتلمذ عليه و صاحبه عدة سنوات و بمسجد هذا الأخير درس الشيخ عبد القادر بن مصطفى مختصر خليل في الفقه المالكي مع مختلف شروعه كما درس التوحيد و التفسير و علوم الحديث وعلوم اللغة وخاصة ألفية ابن مالك و قطر الندى في النحو إلى أن أتقن كل هذه العلوم و أصبح مساعدا لشيخه في تدريس الطلبة. و لما نفت السلطات الاستعمارية الشيخ محمد الخلوي إلى مدينة سعيدة بسبب نشاطه الديني و السياسي رافقه تلميذه الشيخ عبد القادر الفرحاوي إلى منفاه لمساعدته في مهامه التربوية كما رافقه بعد ذلك في هجرته إلى المغرب الأقصى عندما اشتدت على شيخه ضغوط المستعمر و استقروا معا بمدينة طنجة و هناك استغل الفرصة الشيخ عبد القادر بن مصطفى الفرحاوي لمواصلة تعليمه على الشيوخ المغاربة. وبعد ست سنوات قضاها في المغرب عاد إلى وطنه بطلب و بإلحاح بطلب من شيخه الشيخ محمد الخلوي الذي أمره بالرجوع إلى الوطن حتى ينتفع بعلمه أبناء بلده المحتاجين إلى أمثاله و لتحقيقه أمنية شيخه، أسس الشيخ عبد القادر بن مصطفى بمسقط رأسه معهدا لتدريس العلوم الدينية، و قد امتلأ هذا المعهد بالطلبة الوافدين من جهات عديدة و كان الشيخ عبد القادر ينفق عليهم من ماله الخاص وعندما طال الزمن و قل المال أي نقص، شرع الشيخ في بيع أراضيه الخصبة حتى أتى عليها كلها من أجل الإنفاق على طلبة العلم وحتى لا يتوقف عن التدريس و من هذا اشتهر بين الناس بالرجل الذي ( باع بلاده و وكلها للطلبة ) و بعد اشتداد أزمة الحاجة نقل معهده الديني إلى مدينة تيغنيف عام 1886 م حيث منحه سكانها قطعة أرض أقام عليها أول مسجد بهذه القرية؛ اتخذه الشيخ معهدا لتدريس العلوم الدينية و اللغوية و بهذا المعهد تفرغ الشيخ للأمامة و التدريس بينما تولى السكان مهمة الإنفاق على الطلبة، و بهذا المسجد العتيق لتغنيف تخرج على يد الشيخ عبد القادر بن مصطفى جيل من الأساتذة و الإطارات في العلوم الدينية و الأئمة المبرزين من أمثال الشيخ الحاج الطيب بن التهامي، و الحاج بن يخلف بن كابوا صاحب المعهد العلمي بسيدي بلعباس و الشيخ عبد القادر بن جلول أحد أبناء الشريف سيدي بن يخلف و الذي أسس زاوية بالبليدة كما تخرج على يديه ابنه المرحوم الشيخ محي الدين الذي ورث علمه بركته و تولى الإمامة و التدريس بعده في المسجد العتيق إلى أن توفي. كانت هذه نبذه مختصرة عن حياة رجل علم استقيناها من معلومات جمعها أحد رجال العلم، وأردنا من خلالها التعريف برجال نذروا أنفسهم لخدمة العلم و العلماء المعتبرين بين ذلك واجبا دينيا لا وظيفة دنيوية عليهم يكونون قدوة للأجيال القادمة في تقدير العلم حق قدره و في إنزال العلماء المنزلة التي تليق بمقامهم.

الخـاتمـة

في هذا البحث مجموعة من أعلام معسكر قد انتشر صيتهم وكثر نفعهم. فهي تعتبر مفتاح للماضي وقاعدة توثيقية للتاريخ.

لقد عالجنا هذا الموضوع لينقل إلى الأجيال القادمة، ليبقى عمل توثيقي متقدم ومتطور يفخرون به، لأن بهذا العمل سنقدم صورة بهية وطبعة منقحة زكية هم من بين الأعلام الذي عاصروا القرن السابع الهجري ويعتبرون من المؤسسين الأوائل للثقافة في ذلك العصر. و لن يتم هذا إلا عن طريق الإطلاع على وثائق الآباء و الأجداد، فهو عمل متقدم و متطور يفخرون به القراء.

هذا تمام ما أردت إيراده لينتفع به من وقف عليه من الطالبين، غير أني رجوت أن أكون فيه سالما من التفريط والإفراط. سائلا من الله تعالى إصلاح الخلل وغفران الزلل، فلا خير إلا خيره ولا إله غيره. كمل بحمد الله وحسن عونه على يد كاتبه لنفسه ولمن شاء الله بعد جلول جيلالي بن عبد الله بن الحبيب بن جلول، غفر الله لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين. وكان الفراغ منه يوم الجمعة الثالث والعشرون من شهر شوال عام ستة وعشرون وأربعمائة وألف ( 1426 ) من الهجرة النبوية الموافق ليوم الخامس والعشرون من شهر نوفمبر عام ألفين وخمسة عند صلاة المغرب. والله أسأل أن يجعل فيما احتواه هذا المجهود الفائدة الجمة التي تسهم في الإطلاع وبناء مجتمع سليم وأن يجزل المثوبة لكل من قام بالتنقيب والبحث والإخراج وهو حسبنا ونعم الوكيل وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.

قائمة المراجع

1. الدر المهدى لغوثية أبي مهدي - مخطوط.

2. القول الأعم للقاضي الطيب بن المختار - مخطوط.

3. كتاب سلسلة الأصول للقاضي حشلاف.

4. مقالة للشيخ المهدي البوعبدلي - مخطوط.

5. كتاب المرآة الجليلة للشيخ عبد الحكيم.

6. منهاج الشرفاء للشيخ محمد بن حواء بن يخلف - مخطوط.

7. الرحلة القمرية للشيخ مصطفى بن عبد الله الدحاوي - مخطوط.

8. كتاب البستان في ذكر الأولياء والعلماء بتلمسان للشيخ الإمام العلامة القدوة الهمام أبي عبد الله محمد بن محمد ابن أحمد الملقب بابن مريم.

9. الجوهرة الكبرى لسيدي محمد بن عبد الجليل بن عبد العظيم مخطوط.

10. فتح الرحمان للشيخ المزيلي - مخطوط.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://aouf.7olm.org
عائشة غراب



عدد الرسائل : 15
تاريخ التسجيل : 14/07/2010

مُساهمةموضوع: رد: معسكر رجال وتاريخ   30/11/2010, 08:54

شكرااااااااااااااااااااا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
فعفاع



عدد الرسائل : 3
تاريخ التسجيل : 28/12/2010

مُساهمةموضوع: رد: معسكر رجال وتاريخ   5/9/2011, 17:50

أود سؤالكم عن نسبي المنحدر من معسكر كما قال أبي رحمه الله ولقد خلف جده رحمه الله ورقة مخطوطة بنسب عائلتنا فعفاع حيث جاء فيها :
نقلت هذه الشجرة من كتاب الاصول في أبناء الشيخ سيدي محمد بن علي رحمه الله بخط الفقيه السيد مصطفى بن الحاج الطاهر طلبها صاحبها وهو :
الفعفاع بن محمد بن علي بن أحمد بن يحيى بن محمد بن سليمان بن الناصر بن عبد الله بن الجيلاني بن يخلف بن عبد الواحد بن موسى بن الاشقر بن الشيخ سيدي محمد بن علي رحمه الله .

سيدي محمد بن علي بن محمد الهاشمي بن علي الملقب بأبي شنتوف بن سحنون بن أحمد بن محمد بن أحمد الملقب الثعباني بن علي بن عيسى بن أبي القاسم بن أحمد بن محمد العسكري بن علي الرضى بن موسى الكاضم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن زين العابدين بن علي بن الحسين السبط بن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم .

أرجوكم ايفائي بهذا النسب إن كان لديكم من مخطوط ..وهل توجد عائلة فعفاع في معسكر ؟
أثابكم الله
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
معسكر رجال وتاريخ
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
عـــــــــــــــــــــــــــــوف  :: منتدى شخصيات واعلام معسكر-
انتقل الى: